سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٤٢ - التمهيد
وقد أجرت العرب أيضا الحرف مجرى الحركة ، في نحو قولهم : لم يخش ، ولم يسع ، ولم يرم ، ولم يغز ، فحذفوا هذه الحروف للجزم ، كما تحذف له الحركات في نحو لم يقم ولم يقعد.
وكذلك أيضا أجروا الحركة مجرى الحرف ، فأجازوا صرف هند : اسم امرأة معرفة ، فإذا تحرّك الأوسط منعوه الصرف معرفة البتّة ، وذلك نحو : قدم ، فصارت الحركة في منع الصرف بمنزلة الياء في زينب والألف في عناق ونحوهما في منع الصرف ، ولهذا نظائر [١] سنذكرها في مكانها إن شاء الله تعالى.
أفلا ترى إلى هذه الحروف كيف تتبع الحركات التي قبلها وهي أبعاض لها. فقد صحّ ما قدّمناه.
وإنما سمّيت هذه الأصوات النّاقصة حركات ، لأنها تقلق الحرف الذي تقترن به ، وتجتذبه نحو الحروف التي هي أبعاضها ، فالفتحة تجتذب الحرف نحو الألف ، والكسرة تجتذبه نحو الياء ، والضمة تجتذبه نحو الواو ، ولا يبلغ الناطق بها مدى الحروف التي هي أبعاضها ، فإن بلغ بها مداها ، تكمّلت له الحركات حروفا ، أعني ألفا وياء وواوا.
واعلم أن الحروف في الحركة والسكون على ضربين [٢] : ساكن ، ومتحرك.
فالساكن : ما أمكن تحميله الحركات الثلاث نحو كاف بكر ، وميم عمرو ، ألا تراك تقول : بكر وعمرو ، وبكر وعمرو ، وبكر وعمرو ، فلما جاز أن تحمّله الحركات الثلاث ، علمت أنه قد كان قبلها ساكنا.
والمتحرّك : هو الذي لا يمكن تحميله أكثر من حركتين ، لأن الحركة التي هي فيه قد استغني بكونها فيه عن اجتلابها له ، وذلك نحو ميم عمر ، يمكن أن تحملّها الكسرة والضمة ، فتقول : عمر ، وعمر ، ولا يمكنك أن تجتلب لها فتحة ، لأنها قد كانت في أوّل اعتبارك إيّاها مفتوحة ، والحرف الواحد لا يتحمّل حركتين ، لا متّفقتين ولا مختلفتين ، وإذا كانت الحركات ثلاثا : فتحة ، وكسرة ، وضمة.
[١]نظائر : أشباه ، ونظير الشيء أي : مثله ، مادة (ن. ظ. ر). اللسان (٦ / ٤٤٦٧).
[٢]ضربين : صنفين ، والضرب : الصنف. مادة (ض. ر. ب). اللسان (٤ / ٢٥٦٥).