سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٧٣ - ذكر الحروف على مراتبها
واستدرك أبو الحسن ذلك عليه ، وقال : إن هذا لا يجوز إدغامه ، لأن السين ساكنة ، ولا يجمع بين ساكنين ، فهذا لعمري تعلق بظاهر لفظه ، فأما حقيقة معناه ، فلم يرد محض الإدغام ، وإنما أراد الإخفاء ، فتجوّز بذكر الإدغام ، وليس ينبغي لمن قد نظر في هذا العلم أدنى نظر أن يظنّ سيبويه ممن يتوجه عليه هذا الغلط الفاحش ، حتى يخرج فيه من خطأ الإعراب إلى كسر الوزن ، لأن هذا الشعر من مشطور الرجز ، وتقطيع الجزء الذي فيه السين والحاء «ومس حهي» مفاعلن ، فالحاء : بإزاء عين مفاعلن ، فهل يليق بسيبويه أن يكسر شعرا ، وهو من ينبوع العروض ، وبحبوحة [١] وزن التفعيل [٢] ، وفي كتابه أماكن كثيرة تشهد بمعرفته بهذا العلم ، واشتماله عليه ، فكيف يجوز عليه الخطأ فيما يظهر ويبدو لمن يتساند إلى طبعه ، فضلا عن سيبويه في جلالة قدره. ولعلّ أبا الحسن أراد بذلك التشنيع عليه ، وإلا فهو كان أعرف الناس بحاله. وقد تلا أبا الحسن في تعقّب ما أورده سيبويه في كتابه جلّة [٣] أصحابنا ، كأبي عمر [٤] وأبي عثمان [٥] وأبي العباس [٦] وغيرهم ، فقلما ضرّه الله بذلك ، إلا في الشيء النّزر [٧] القليل من قوله ، وأما ما أنشده أيضا من قول الراجز [٨] :
|
متى أنام لا يؤرّقني الكرى |
ليلا ولا أسمع أجراس المطى [٩] |
[١]بحبوحة : من كل شيء وسطه وخياره. اللسان (١ / ٢١٥). مادة (بحبح).
[٢] يشير بهذه العبارة إلى تمكن سيبويه من علم أستاذه الخليل صاحب العروض.
[٣]جلّة : معظم. اللسان (١ / ٦٦٣). مادة (جلّ).
[٤] أبو عمر الجرمي : هو صالح بن إسحاق النحوي البصري. توفي سنة ٢٢٥.
[٥] هو أبو عثمان المازني ، وهو بكر بن محمد بن بقية. توفي سنة ٢٤٨ أو ٢٤٩.
[٦] هو أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الثمالي الأزدي نحوي بصري ، توفي سنة ٢٨٥.
[٧] النّزر : القليل. مادة (نزر).
[٨]لم نعثر على قائل البيت وهو من شواهد الكتاب. اللسان (١ / ٤٥٠).
[٩] الكرى : النعاس. مادة «كرى». والمطي : جمع مطية وهي الناقة التي يركب مطاها. يقول الشاعر : متى أنام غير مؤرق؟ والأسلوب إنشائي في سورة استفهام غرضه التمني. والشاهد في قوله «يؤرقني» فقد حكى سيبويه أن بعض العرب كان يشم الضم فيه على تقدير وقوعه موقع الحال ، أي متى أنام غير مؤرق ، وهذا أبين إلا أن فيه قبحا لتوالي الحركات واستثقال الضم والكسر. انظر / الكتاب لسيبويه (١ / ٤٥٠).