سرّ صناعة الإعراب - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٢٧١ - باب الفاء
ومن ذلك قولهم : زيدا فاضرب ، وعمرا فاشكر ، وبمحمد فامرر ، إنما تقديره : زيدا اضرب ، وعمرا اشكر ، وبمحمد امرر. وعلى هذا قوله جلّ ثناؤه : (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر : ٤] ، أي : وثيابك طهّر ، (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)[١] [المدثر : ٥] أي والرجز اهجر ، (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) [المدثر : ٧] ، أي لربك اصبر.
وهذه مسألة اعترضت هذا الباب ، ونحن نشرحها بإذن الله :
تقول العرب : خرجت فإذا زيد.
واختلفت العلماء في هذه الفاء : فذهب أبو عثمان [٢] إلى أنها زائدة ، وذهب أبو إسحاق الزيادي [٣] إلى أنها دخلت على حدّ دخولها في جواب الشرط ، وذهب مبرمان [٤] إلى أنها عاطفة.
وأصحّ هذه الأقوال قول أبي عثمان. وذلك أن إذا هذه التي للمفاجأة قد تقدم من قولنا فيها أنها للإتباع ، بدلالة قوله عز اسمه : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم : ٣٦] ، فوقوعها جوابا للشرط يدل على أن فيها معنى الإتباع ، كما أن الفاء في قولك : إن تحسن إليّ فأنا أشكرك ، إنما جاز الجواب بها لما فيها من معنى الإتباع ، وإذا كانت إذا هذه التي للمفاجأة بما قدمناه للإتباع ، فالفاء في قولنا خرجت فإذا زيد ، زائدة ، لأنك قد استغنيت بما في إذا من معنى الإتباع ، عن الفاء التي تفيد معنى الإتباع.
كما استغنى عنها في قوله جل اسمه : (إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ.)
[١] الرجز : الإثم والشرك ، ورجز الشيطان ، وسوسته (ج) أرجاز. مادة (رجز). الشاهد في الآية في قوله تعالى : (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ.) إعراب الشاهد : الرجز : مفعول به لفعل محذوف يفسره الفعل (اهجر). والفاء : زائدة. اهجر : فعل أمر مبني على السكون ، والفاعل مستتر وجوبا تقديره أنت. وجملة «اهجر» جملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب.
[٢] أبو عثمان بكر بن محمد بن بقية المازني. توفي سنة ٢٤٩ ه.
[٣] أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان بن أبي بكر بن زياد. عده الزبيدي في الطبقة السابعة من البصريين.
[٤] محمد بن علي بن إسماعيل العسكري ، عدّه الزبيدي من الطبقة التاسعة من البصريين.