الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٦٠ - المشركون و أزمة الثقة
نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ [١] و ألّف بين قلوبهم، و ذلك لأنه عرّفهم: أن الحياة الإنسانية حياة خالدة، و أن الحياة الدنيا زائلة لا قيمة لها، و أن اللذة المادية لا قيمة لها، و اللذة الواقعية هي أن يعيش الإنسان في كرامة عبودية اللّه سبحانه، و رضوانه، و القرب و الزلفى منه تعالى، مع النبيين و الصديقين، و هناك اللذة الحقيقية الدائمة، قال تعالى: وَ مٰا هٰذِهِ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا إِلاّٰ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوٰانُ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ [٢].
كما أنه لا يملك أحد لنفسه نفعا و لا ضررا، و لا موتا و لا حياة، بل هو في تصرف اللّه الذي بيده الخير و الشر، و النفع و الضر، و الغنى و الفقر. و كل نعمة هي هبة من ربه، و ما حرم منه احتسب عند ربه أجره، و ما عند اللّه خير و أبقى. و إذ لم يعد للمادة قيمة عند المؤمنين؛ فإن أسباب الضغن و الحقد تزول، و يصبحون بنعمته إخوانا، و لا يبقى في نفوسهم غل، و حسد، و رين [٣].
و هكذا يتضح: أن موقف الخزاعيين، و عدم التزامهم بنصر قومهم، و الحفاظ على أسرارهم أمر طبيعي.
كما أن سوء ظن أبي سفيان، و عدم ثقته بهم هو أيضا نتيجة طبيعية للشرك، و عدم الإيمان.
و من كل ذلك نعرف أيضا سر عدم تأثير تشجيع النساء في ثبات المشركين، و لم يمنعهم عار أسر نسائهم من الهزيمة، و تركوهن في معرض
[١] الآية ٩ من سورة الحشر.
[٢] الآية ٦٤ من سورة العنكبوت.
[٣] راجع: تفسير الميزان ج ٩ ص ١١٩-١٢١.