الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٥٩ - المشركون و أزمة الثقة
قد كان محط نظرنا أيضا: أن الكفار إنما يلتقون على مصالحهم الدنيوية الشخصية، و يتفقون و يختلفون على أساسها؛ و ذلك لأن الإنسان يحب بطبعه أن يخص نفسه باللذائذ و النعم، و على هذا الأساس يحب هذا و يبغض ذاك.
و حيث إنه لا يستطيع أن يلبي كل ما يحتاج إليه من ضروريات حياته؛ فإنه لا بد له من حياة اجتماعية تعينه على ذلك، و يتبادل مع الآخرين ثمرات الأتعاب، حيث إن كل شخص له مؤهلات تجعله يختص ببعض الامتيازات لنفسه: من مال، أو جمال، أو طاقات فكرية، أو نفسية، أو غريزية، أو غير ذلك.
هذه الامتيازات التي تطمح إليها النفوس، و يتنافس فيها البشر عموما. و بسبب الاحتكاكات المتوالية، و ما يصاحبها من وجوه الحرمان، و البغي، و الظلم، و الشح، و الكرم في هذه الأمور التي يتنافسون فيها، فإن العداوات و الصداقات تنتج عن ذلك.
و أما محاولات بذل النعم لفاقديها، فإنها لا ترفع هذه النزاعات و العداوات و غيرها إلا في موارد جزئية. أما الحالة العامة فتبقى على حالها؛ لأن هذا البذل لا يبطل غريزة الاستزادة، و الشح الملتهب، على أن بعض النعم لا تقبل إلا الاختصاص و الانفراد، كالملك، و الرئاسة، فالشرور و الأحقاد التي تتولد عن ذلك باقية على حالها. هذه حالة المجتمع الكافر باللّه، الذي لا يؤمن إلا بالمصلحة الدنيوية الشخصية، و اللذات الحاضرة. و لكن اللّه قد منّ على المسلمين، و أزال الشحّ من نفوسهم: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ