الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٤٦ - ملاحظات
و حيث لم يكن لمخيريق وارث؛ فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يكون وارثه.
و لسوف يأتي بعض الكلام عن مصير أمواله «صلى اللّه عليه و آله» عند الكلام عن فدك إن شاء اللّه تعالى.
ب: إن موقف مخيريق هذا في أحد يذكرني بموقف الحر الرياحي في كربلاء. فكل منهما قد اتخذ القرار الحاسم في أحرج اللحظات، و أكثرها حساسية. فإن مخيريق قد استطاع أن يتخلى عن كل ما يحيط به من روابط تشده إلى الأرض، و تهيمن عليه، و تمنعه من اتخاذ القرار طيلة تلك المدة الطويلة، و كذلك فعل الحر أيضا. و إن تحكيم العقل، و التخلي عن كل تلك الروابط، و إبعاد سائر تلك المؤثرات، يحتاج إلى جهد نفسي كبير. و بهذا تعرف الرجال، و ما تحمله من فضائل نفسية، و ملكات إنسانية. لأن حالات كهذه تكون الأعصاب فيها عادة في أقصى حالات التوتر، و المشاعر و العواطف في منتهى تأججها. و كل الروابط و المؤثرات الأرضية تكون واضعة كل ثقلها في تصوراته، و نظراته المستقبلية.
و لهذا كان (مخيريق) خير يهود. و لعل الذي سهل على مخيريق اتخاذه قراره الحاسم ذاك، هو قناعاته المترسخة في عمق وجدانه، و التي تستمد عمقها هذا من الإخبارات الصريحة و القاطعة التي يجدها عنده في التوراة و الإنجيل، حتى إن اليهود كانوا يعرفون النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما يعرفون أبناءهم.
ج: إن إصرار عمرو بن الجموح على الخروج إلى الحرب، و إذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، إنما يعني أن عدم الخروج للجهاد رخصة للأعرج لا عزيمة. فإذا بلغ المسلم من النضج الروحي بحيث يعتبر عدم الشهادة له