أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٤ - الأمر الثالث في تقويم الإجماعات المنقولة من جانب كيفية النقل والإخبار
معهم- فهذا القسم حجّة قطعاً نظراً إلى كونه من أفراد خبر الواحد ومن مصاديقه، إذ لا فرق في الأخبار عن قول الإمام عليه السلام بين أن يكون إخباراً عنه بالمطابقة أو التضمّن، غايته أنّه في الأوّل سمع من شخص الإمام عليه السلام وهو يعرفه فيقول: سمعته يقول كذا وكذا، وفي الثاني سمع عن جماعة يعلم إجمالًا أنّ الإمام أحدهم.
ولكن اعتبار هذا القسم بالنسبة إلى زمان الغيبة موهون جدّاً، فلا نجد له مصداقاً، لأنّ الإجماع المنقول عن حسّ في هذا الزمان إنّما هو الإجماع التشرّفي أو الدخولي، وهما غير تامّين من ناحية الصغرى كما مرّ، فالحجّة غير الموجود، والموجود غير الحجّة.
وإذا كان المنقول السبب والمسبّب جميعاً ولكن المسبّب وهو قول الإمام عليه السلام ليس عن حسّ بل بملازمة ثابتة عند الناقل والمنقول إليه جميعاً كما إذا حصّل مثلًا أقوال العلماء من الأوّل إلى الآخر عن حسّ وقطع برأي الإمام عليه السلام للملازمة العادية بينهما فقال: أجمع المسلمون أو المؤمنون أو نحو ذلك ممّا ظاهره إرادة الإمام عليه السلام معهم وكان المنقول إليه يعتقد بهذه الملازمة، فهذا القسم أيضاً حجّة لأنّ الإخبار عن الشيء (ولو لم يكن عن حسّ) إذا كان مستنداً إلى أمر محسوس لو أحسّه المنقول إليه لحصل له القطع أيضاً بالمخبر به، فهو حجّة بلا كلام كالإخبار عن حسّ عيناً.
وهكذا إذا كان المنقول هو المسبّب فقط وكان نقله عن حسّ، والسبب تامّ في نظر الناقل والمنقول إليه جميعاً كما إذا نقل اتّفاق جميع الفقهاء عن حسّ، والمنقول إليه أيضاً يرى أنّ لازمه العادي هو قول الإمام عليه السلام، فيكون هذا القسم أيضاً حجّة لأنّ المخبر في هذا القسم وإن لم يخبر إلّا عن السبب فقط ولكن السبب حيث كان بنظر المنقول إليه تامّاً ملازماً لقول الإمام عليه السلام عادةً فهو مخبر عن قوله بالالتزام، ومن المعلوم أنّه لا فرق في نقل قول الإمام عليه السلام بين أن يكون بالمطابقة كما في الرّوايات المصطلحة، أو بالتضمّن كما في القسمين السابقين، أو بالالتزام كما في المقام، فالكلّ إخبار عن قوله وحكاية لرأيه فتشمله أدلّة حجّية الخبر.
نعم، إذا كان المنقول السبب والمسبّب جميعاً ولم يكن المسبّب وهو قول الإمام عليه السلام عن حسّ، بل بملازمة ثابتة عند الناقل دون المنقول إليه، فليس هذا بحجّة، لأنّ المتيقّن من بناء العقلاء هو الرجوع إلى خبر الثقة في المحسوسات أو الحدسيّات القريبة بالحسّ، أي الحدسيّات المستندة إلى امور لو أحسّوها بأنفسهم لقطعوا بالمخبر به مثل قطع الناقل.