أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٤ - وأمّا الأمر الثاني في إمكان التعبّد بالظّن
وليست طريقاً إلى الواقع، لأنّ المفروض عدم كونها أمارة، فقال ما نصّه: «فلا محيص في مثله (بعض الاصول العمليّة كأصالة الإباحة الشرعيّة) إلّاعن الالتزام بعدم إنقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادىء العالية أيضاً كما في المبدأ الأعلى لكنّه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي، بمعنى كونه على صفة ونحوٍ لو علم به المكلّف لتنجّز عليه كسائر التكاليف الفعليّة التي تنجّز بسبب القطع بها، وكونه فعلياً إنّما يوجب البعث والزجر في النفس النبويّة أو الأولويّة فيما إذا لم ينقدح فيها الإذن لأجل مصلحة».
وحاصل ما أفاده: أنّ الحكم الواقعي في مورد هذه الاصول ليس فعليّاً تامّاً لأنّ الفعليّة موقوفة على حصول الإرادة وهو موقوف على عدم صدور إذن من جانب الشارع على الخلاف، وإلّا لو صدر إذن من ناحيته كما في الاصول العمليّة فالحكم فعلي تقديري، بمعنى أنّه لو تعلّق به العلم أو قامت أمارة عليه لتنجّز، بخلاف الإنشائي الذي لا تنجّز وإن تعلّق به العلم خارجاً، وبهذا ترتفع المنافاة بين الحكم الواقعي والظاهري، لأنّ الحكم الواقعي فعلي تقديري، والحكم الظاهري فعلي تحقيقي ولا منافاة بينهما.
فظهر إلى هنا أنّ المحقّق الخراساني رحمه الله اختار لحلّ إشكال الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ثلاثة طرق:
الأوّل: إنكار أن يكون مؤدّى الأمارة حكماً بل هو مجرّد المنجّزيّة والمعذّريّة.
الثاني: كونه حكماً طريقيّاً.
الثالث: أنّ الواقعي فعلي تقديري أي فعلي لولا الترخيص والإذن، والظاهري فعلي مطلقاً.
ولا يخفى أنّ هذا الكلام منه مبني على ما ذهب إليه من أن للأحكام مراتب أربعاً كما مرّت الإشارة إليه منّا في باب اجتماع الأمر والنهي، وكما أشار إليه في تعليقته على رسائل شيخنا الأعظم رحمه الله:
أحدها: الاقتضائيّة والشأنية، وهي عبارة عن كون الشيء ذا ملاك يقتضي الحكم الفلان على طبق ذلك الملاك.
ثانيها: الحكم الإنشائي وهو عبارة عن إنشاء الحكم على طبق المصالح والمفاسد الكامنة في الأشياء ضرباً للقاعدة والقانون، من دون أن يكون في البين إرادة أو كراهيّة فعلية.
ثالثها: الحكم الفعلي، وهو عبارة عن تعلّق الإرادة الفعلية أو الكراهة الفعلية بشيء أي البعث والزجر.