أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٥ - أمّا المقام الثاني في كفاية العلم الإجمالي في مقام الامتثال وعدمه
لأصالة البراءة لا الاشتغال، والاشتغال مصبّه غير ذلك، وهو ما إذا كان أصل المأمور به معلوماً وشكّ في وجوده خارجاً.
قال المحقّق النائيني رحمه الله هنا ما حاصله: أنّ أدلّة أصل البراءة كحديث الرفع جارٍ فيما كان وضعه ورفعه بيد الشارع ويكون قاصراً عن الشمول لما يتحمّل اعتباره في الطاعة عقلًا كما في المقام، حيث إن الشكّ فيه راجع إلى اعتبار أمر في الطاعة العقليّة، ضرورة أنّ حسن الاحتياط من الأحكام التي يستقلّ العقل بها، فمع الشكّ في تحقّقه لا يمكن التمسّك بحديث الرفع [١].
أقول: إن كان حسن الاحتياط في المقام من المستقلّات العقليّة فلا معنى للشكّ فيه، لأنّ لاعقل لا يشكّ في حكم نفسه، فإمّا أن يحكم بكفاية الامتثال الإجمالي أو يحكم بعدمها، ولا تردّد له فيه، وحينئذٍ فلو كان هناك شكّ كان شكّاً في حكم الشرع، أي شكّاً في الجزئيّة أو الشرطيّة الشرعيّة فيرجع إلى الأقلّ والأكثر الإرتباطيين الذي يكون مجرى لأصل البراءة.
وأمّا الدليل الثالث وهو لزوم اللعب بأمر المولى فاجيب عنه بجوابين:
أحدهما: أنّ التكرار لا يعدّ لعباً بأمر المولى إذا نشأ من دواعٍ عقلائيّة.
ثانيهما: سلّمنا ذلك، ولكنّه لعب في كيفية الإطاعة لا في أصلها، واللعب في كيفية العمل لا يوجب بطلان أصله.
لكن الإنصاف أنّ هذا الجواب غير تامّ، لأنّ كيفية العمل ليست منفكّة عن أصل العمل بل هي متّحدة معه عرفاً.
وللمحقّق الإصفهاني رحمه الله هنا كلام وإليك نصّه: «إنّ المانع إمّا عدم صدور العمل عن داعٍ إلهي بل من غيره، أو التشريك في الداعي بحيث لا يكون الأمر مستقلًا في الدعوة، أو تعنون الفعل بنفسه بعنوان اللعب، أو تعنون الفعل المأتي بداعي الأمر بعنوان اللعب، والكلّ مفقود، أمّا الأوّل فلأنّ المفروض أنّ المحرّك لفعل كلّ من المحتملات هو الأمر المحتمل تعلّقه به، وأمّا الثاني فلأنّ المفروض عدم محرّك إلى ذات كلّ واحد من المحتملات سوى الأمر المحتمل فلا تشريك في الداعي، وإلّا فلو فرض التشريك لم يكن فرق بين الداعي العقلائي وغيره في المفسدية وعدم صدور العمل عن داعٍ إلهي مستقلّ في الدعوة، وأمّا الثالث فلأنّ المفروض أنّ
[١] راجع أجود التقريرات: ج ٢، ص ٤٥.