أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٩ - الأمر الثالث في تأسيس الأصل في المسألة
أقول: أمّا الإجماع فلا يخفى أنّه في مثل المقام مدركي يرجع إلى سائر الأدلّة فلا اعتبار به مستقلًا، وأمّا السنّة فقد نوقش فيها بأنّ مقام القضاء مقام خاصّ، وللشارع اهتمام خاصّ به، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى، كما ناقش فيها في تهذيب الاصول بأنّ مقام القضاء مقام إنشاء الحكم لا إسناده إلى اللَّه تعالى، أي أنّ القاضي إنّما يقول: «حكمت وقضيت بكذا وكذا» ولا يقول: «اللَّه يقول كذا وكذا» [١].
لكن يرد عليه (على مناقشة تهذيب الاصول): أنّ القضاء إنشاء يلازم الإخبار عن الشارع، لأنّ القاضي قام على منصب القضاء الشرعي، وكأنّه يقول: أنّي أحكم بكذا وكذا لأنّي من قضاة الشرع ومنصوباً من قبل الشارع، فإنشاؤه حينئذٍ لا ينفكّ عن الإخبار.
ولكن الأنسب والأولى للشيخ قدس سره أن يستدلّ بما ورد في نفس الباب (أي الباب ٤ من أبواب صفات القاضي) من دون أن يكون مختصّاً بباب القضاء، وهي ثلاث روايات:
أوّلها: ما رواه زياد بن أبي رجاء عن أبي جعفر عليه السلام قال: «ما علمتم فقولوا: وما لم تعلموا فقولوا: اللَّه أعلم، أنّ الرجل ينتزع الآية يخرّ فيها أبعد ما بين السماء» [٢].
ثانيها: ما رواه مفضّل بن فريد (يزيد) قال: قال أبو عبداللَّه عليه السلام: «أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال: أنهاك أن تدين اللَّه بالباطل وتفتي الناس بما لا تعلم» [٣].
ثالثها: ما رواه عبدالرحمن بن الحجّاج قال: قال لي أبو عبداللَّه عليه السلام: «إيّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك: إيّاك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم» [٤].
وأمّا دليل العقل فهو شبيه بما استدلّ به المحقّق الخراساني رحمه الله، يعني ضرورة العقل والوجدان، وعلى أي حال فقد ظهر ممّا ذكر أنّ الأصل هو عدم حجّية الظنّ إلّاما خرج بالدليل.
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٨٥، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] وسائل الشيعة: الباب ٤، من أبواب صفات القاضي، ح ٥.
[٣] المصدر السابق: ح ٢.
[٤] المصدر السابق: ح ٣.