نهج الذكر (ع-ف) - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٩٤
١٣٩٥.الإمام زين العابدين عليه السلام : الحَمدُ للّه ِِ الأَوَّلِ بِلا أوَّلٍ كانَ قَبلَهُ ، وَالآخِرِ بِلا آخِرٍ يَكونُ بَعدَهُ ، الَّذي قَصُرَت عَن رُؤيَتِهِ أبصارُ النّاظِرينَ ، وعَجَزَت عَن نَعتِهِ أوهامُ الواصِفينَ . اِبتَدَعَ بِقُدرَتِهِ الخَلقَ ابتِداعا ، وَاختَرَعَهُم عَلى مَشيَّتِهِ اختِراعا ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِم طَرِيقَ إرادَتِهِ ، وبَعَثَهُم في سَبيلِ مَحَبَّتِهِ ، لا يَملِكونَ تَأخيرا عَمّا قَدَّمَهُم إلَيهِ ، ولا يَستَطيعونَ تَقَدُّما إلى ما أخَّرَهُم عَنهُ . وجَعَلَ لِكُلِّ روحٍ مِنهُم قوتا مَعلوما مَقسوما مِن رِزقِهِ ، لا يَنقُصُ مَن زادَهُ ناقِصٌ ، ولا يَزيدُ مَن نَقَصَ مِنهُم زائِدُ . ثُمَّ ضَرَبَ لَهُ فِي الحَياةِ أجَلاً مَوقوتا ، ونَصَبَ لَهُ أمَدا مَحدودا يَتَخَطَّأُ [١] إلَيهِ بِأَيّامِ عُمُرِهِ ، ويَرهَقُهُ بِأَعوامِ دَهرِهِ ، حَتّى إذا بَلَغَ أقصى أَثَرِهِ وَاستَوعَبَ حِسابَ عُمُرِهِ ، قَبَضَهُ إلى ما نَدَبَهُ إلَيهِ مِن مَوفورِ ثَوابِهِ أو مَحذورِ عِقابِهِ «لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَــئواْ بِمَا عَمِلُواْ وَ يَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى» [٢] عَدلاً مِنهُ تَقَدَّسَت أسماؤُهُ وتَظاهَرَت آلاؤُهُ «لَا يُسْـئلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْـئلُونَ » [٣] . وَالحَمدُ للّه ِِ الَّذي لَو حَبَسَ عَن عِبادِهِ مَعرِفَةَ حَمدِهِ عَلى ما أبلاهُم مِن مِنَنِهِ المُتَتابِعَةِ ، وأسبَغَ عَليهِم مِن نِعَمِهِ المُتَظاهِرَةِ ؛ لَتَصَرَّفوا في مِنَنِهِ فَلَم يَحمَدوهُ ، وتَوَسَّعوا في رِزقِهِ فَلَم يَشكُروهُ ، ولَو كَانوا كَذلِكَ لَخَرَجوا مِن حُدودِ الإِنسانِيَّةِ إلى حَدِّ البَهيمِيَّةِ [٤] ، فَكانوا كَما وَصَفَ في مُحكَمِ كِتابِهِ : «إِنْ هُمْ إِلَا كَالْأَنْعَـمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً» [٥] . وَالحَمدُ للّه ِِ عَلى ما عَرَّفَنا مِن نَفسِهِ ، وألهَمَنا مِن شُكرِهِ ، وفَتَحَ لَنا مِن أبوابِ العِلمِ بِرُبوبِيَّتِهِ ، ودَلَّنا عَلَيهِ مِنَ الإِخلاصِ لَهُ في تَوحيدِهِ ، وجَنَّبَنا مِنَ الإِلحادِ وَالشَّكِّ في أمرِهِ ، حَمدا نُعَمَّرُ بِهِ فيمَن حَمِدَهُ مِن خَلقِهِ ، ونَسبِقُ بِهِ مَن سَبَقَ إلى رِضاهُ وعَفوِهِ ، حَمدا يُضيءُ لَنا بِهِ ظُلُماتِ البَرزَخِ [٦] ، ويُسَهِّلُ عَلَينا بِهِ سَبيلَ المَبعَثِ ، ويُشَرِّفُ بِهِ مَنازِلَنا عِندَ مَواقِفِ الأَشهادِ ، يَومَ تُجزى كُلُّ نَفسٍ بِما كَسَبَت وهُم لا يُظلَمون [٧] ، «يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْـئا وَ لَا هُمْ يُنصَرُونَ» [٨] . حَمدا يَرتَفِعُ مِنّا إلى أعلى عِلِّيّينَ ، في كِتابٍ مَرقومٍ يَشهَدُهُ المُقَرَّبونَ . حَمدا تَقَرُّ بِهِ عُيونُنا إذا بَرِقَتِ الأَبصارُ ، وتَبيَضُّ بِهِ وُجوهُنا إذَا اسوَدَّتِ الأَبشارُ . حَمدا نُعتَقُ بِهِ مِن أليمِ نارِ اللّه ِ إلى كَريمِ جِوارِ اللّه ِ . حَمدا نُزاحِمُ بِهِ مَلائِكَتَهُ المُقَرَّبينَ ، ونُضامُّ [٩] بِهِ أنبِياءَهُ المُرسَلينَ في دارِ المُقامَةِ الَّتي لا تَزولُ ، ومَحَلِّ كَرامَتِهِ الَّتي لا تَحولُ . [١٠] وَالحَمدُ للّه ِِ الَّذِي اختارَ لَنا مَحاسِنَ الخَلقِ ، وأجرى عَلَينا طَيِّباتِ الرِّزقِ ، وجَعَلَ لَنَا الفَضيلَةَ بِالمَلَكَةِ عَلى جَميعِ الخَلقِ ، فَكُلُّ خَليقَتِهِ مُنقادَةٌ لَنا بِقُدرَتِهِ ، وصائِرَةٌ إلى طاعَتِنا بِعِزَّتِهِ . وَالحَمدُ للّه ِِ الَّذي أغلَقَ عَنّا بابَ الحاجَةِ إلّا إلَيهِ ، فَكَيفَ نُطيقُ حَمدَهُ؟ أم مَتى نُؤَدّي شُكرَهُ؟ لا ، مَتى؟ وَالحَمدُ للّه ِِ الَّذي رَكَّبَ فينا آلاتِ البَسطِ ، وجَعَلَ لَنا أدَواتِ القَبضِ ، ومَتَّعَنا بِأَرواحِ الحَياةِ ، وأثبَتَ فينا جَوارِحَ الأَعمالِ ، وغَذّانا بِطَيِّباتِ الرِّزقِ ، وأَغنانا بِفَضلِهِ ، وأَقنانا [١١] بِمَنِّهِ ، ثُمَّ أمَرَنا لِيَختَبِرَ طاعَتَنا ، ونَهانا لِيَبتَلِيَ شُكرَنا ، فَخالَفنا عَن طَريقِ أمرِهِ ، ورَكِبنا مُتونَ زَجرِهِ ، فَلَم يَبتَدِرنا [١٢] بِعُقوبَتِهِ ، ولَم يُعاجِلنا بِنِقمَتِهِ ، بَل تَأَنّانا [١٣] بِرَحمَتِهِ تَكَرُّما ، وَانتَظَرَ مُراجَعَتَنا بِرَأفَتِهِ حِلما . وَالحَمدُ للّه ِِ الَّذي دَلَّنا عَلَى التَّوبَةِ الَّتي لَم نُفِدها إلّا مِن فَضلِهِ ، فَلَو لَم نَعتَدِد مِن فَضلِهِ إلّا بِها ، لَقَد حَسُنَ بَلاؤُهُ عِندَنا ، وجَلَّ إحسانُهُ إلَينا ، وجَسُمَ فَضلُهُ عَلَينا ، فَما هكَذا كانَت سُنَّتُهُ فِي التَّوبَةِ لِمَن كانَ قَبلَنا ، لَقَد وَضَعَ عَنّا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ، ولَم يُكَلِّفنا إلّا وُسعا ، ولَم يُجَشِّمنا [١٤] إلّا يُسرا ، ولَم يَدَع لِأَحَدٍ مِنّا حُجَّةً ولا عُذرا ، فَالهالِكُ مِنّا مَن هَلَكَ عَلَيهِ ، وَالسَّعيدُ مِنّا مَن رَغِبَ إلَيهِ . وَالحَمدُ للّه ِِ بكُلِّ ما حَمِدَهُ بِهِ أدنى مَلائِكَتِهِ إلَيهِ ، وأكرَمُ خَليقَتِهِ عَلَيهِ ، وأرضى حامِديهِ لَدَيهِ ، حَمدا يَفضُلُ سائِرَ الحَمدِ ، كَفَضلِ رَبِّنا عَلى جَميعِ خَلقِهِ . ثُمَّ لَهُ الحَمدُ مَكانَ كُلِّ نِعمَةٍ لَهُ عَلَينا وعَلى جَميعِ عِبادِهِ الماضينَ وَالباقينَ ، عَدَدَ ما أحاطَ بِهِ عِلمُهُ مِن جَميعِ الأَشياءِ ، ومَكانَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها عَدَدُها أضعافا مُضاعَفَةً أبَدا سَرمَدا إلى يَومِ القِيامَةِ . حَمدا لا مُنتَهى لِحَدِّهِ ، ولا حِسابَ لِعَدَدِهِ ، ولا مَبلَغَ لِغايَتِهِ ، ولَا انقِطاعَ لِأَمَدِهِ. حَمدا يَكونُ وُصلَةً إلى طاعَتِهِ وعَفوِهِ ، وسَبَبا إلى رِضوانِهِ ، وذَريعَةً إلى مَغفِرَتِهِ ، وطَريقا إلى جَنَّتِهِ ، وخَفيرا [١٥] مِن نِقمَتِهِ ، وأمنا مِن غَضَبِهِ ، وظَهيرا عَلى طاعَتِهِ ، وحاجِزا عَن مَعصِيَتِهِ ، وعَونا عَلى تَأدِيَةِ حَقَّهِ ووَظائِفِهِ . حَمدا نَسعَدُ بِهِ فِي السُّعَداءِ مِن أولِيائِهِ ، ونَصيرُ بِهِ في نَظمِ الشُّهَداءِ بِسُيوفِ أعدائِهِ ، إنَّهُ وَلِيٌّ حَميدٌ . [١٦]
[١] كذا ، والقياس : «يتخطّى» . قال ابن منظور : تخطّيت إلى كذا ، ولا يقال : تخطّأت ـ بالهمز ـ (لسان العرب : ج ١٤ ص ٢٣٢ «خطا») .[٢] النجم : ٣١ .[٣] الأنبياء : ٢٣ .[٤] في نسخة قديمة : «ولدخلوا في حريم البهيميّة» ، وهو قريب من معنى الحدّ ، فإنّ حريم الدار ما حولها من حقوقها ومرافقها ، سمّي بذلك لأنّه يحرم غير مالكها أن يستبدّ بالارتفاق به (رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين : ج ١ ص ٣٠٨) .[٥] الفرقان : ٤٤ .[٦] البَرْزَخُ : ما بين الموت إلى القيامة (مفردات ألفاظ القرآن : ص ١١٨ «برزخ») .[٧] إشارة إلى الآية ٢٢ من سورة الجاثية .[٨] الدخان : ٤١ .[٩] تَضامَّ القومُ : إذا انضمّ بعضهم إلى بعض (الصحاح : ج ٥ ص ١٩٧٢ «ضمم») .[١٠] حالَ إلى مكان آخر : أي تحوّل (تاج العروس : ج ١٤ ص ١٨٦ «حول») .[١١] أقناه اللّه : أعطاه (مجمع البحرين : ج ٣ ص ١٥١٨ «قنا») .[١٢] ابتدرهُ : عاجَلَهُ (القاموس المحيط : ج ١ ص ٣٦٩ «بدر») .[١٣] تأنّى في الأمر : أي ترفّق وتنظّر (الصحاح : ج ٦ ص ٢٢٧٣ «أنا») .[١٤] لم يجشّمنا إلّا يُسرا : أي لم يكلّفنا إلّا يسرا ، من التجشّم ؛ وهو التكلّف على مشقّة (مجمع البحرين : ج ١ ص ٢٩٥ «جشم») .[١٥] الخفير : المجير (الصحاح : ج ٢ ص ٦٤٨ «خفر») .[١٦] الصحيفة السجّاديّة : ص ١٩ الدعاء ١ ، البلد الأمين : ص ٤٣٨ عن عمير بن متوكّل بن هارون عن الإمام الصادق عنه عليهماالسلام ؛ شرح نهج البلاغة : ج ٦ ص ١٨٥ عن الإمام عليّ عليه السلام وفيه من «والحمد للّه بكلّ ما حمده به أدنى ...» ، ينابيع المودّة : ج ٣ ص ٤١١ مختصرا .