الإرشاد - الشيخ المفيد - الصفحة ١٥٥ - غزوة تبوك واستخلاف رسول الله
وبُعْدِ المسافة[١]ولقاءِ العدوّ ، ثمّ نهض بعضُهم على استثقال للنهوض ، وتخلّف آخرون.
ولما أراد رسولُ الله ٩ الخروجَ استخلف أميرَ المؤمنين ٧ في أهله وولده وأزواجه ومهاجره ، وقال له ، « يا عليُّ إنّ المدينةَ لا تَصْلَحُ إلاّ بي أو بك ».
وذلك أنّه ٧ عَلِم من خُبث نيّات الأعراب ، وكثيرٍ من أهل مكّة ومَن حولها ، ممّن غَزاهم وسَفكَ دماءهم ، فأشْفَقَ أن يَطلبُوا المدينةَ عند نَأيه عنها وحصُولهِ ببلاد الروم أو نحوها ، فمتى لم يكنْ فيها من يقومُ مَقامه ، لم يُؤْمَنْ مِن مَعَرَّتهم ، وإيقاع الفَساد في دار هِجرته ، والتخطّي إلى ما يَشين أهلَه ومُخَلَّفِيه.
وعَلِم علهيه السلام أنّه لا يقوم مقامَه في إرهاب العدُوّ وحراسة دار الهجرة وحِياطَة من فيها ، إلاّ أميرُ المؤمنين ٧ ، فاستخلفه استخلافاً ظاهراً ، ونَصَّ عليه بالإمامة من بعده نصّاً جلياً.
وذلك فيما تظاهرت به الرواية أنَّ أهلَ النفاق لمّا عَلِموا باستخلاف رسولِ الله ٩ عليّاً ٧ على المدينة ، حَسَدُوه لذلك وعَظُم عليهم مُقامُه فيها بعد خروجه ، وعلِموا أنها تَنْحَرِس به ، ولا يكون للعدوّ فيها مَطْمَع ، فساءهم ذلك ، وكانوا يؤثرون خروجَه معه ، لِما يَرجُونه من وقوع الفَساد والاختلاط عند نأيِ النبي ٩ عن المدينة ، وخُلُوّها من مرهوب مخوفٍ يَحرُسُها.
[١] في « م » وهامش « ش » : الشقة.