الإرشاد - الشيخ المفيد - الصفحة ١٥٦ - غزوة تبوك واستخلاف رسول الله
وغَبطوه ٧ على الرفاهيّة والدَعَةِ بمُقامه في أهله ، وتكلّفِ من خرج منهم المشاقَّ بالسفر والخَطَر.
فأرجَفوا به ٧ وقالوا : لَمْ يستخلفه رسول اللّه ٩ إكراماً له وإجلالاًَ ومودّةً ، وإنّما خَلّفه استثقالاً له. فبَهَتوه بهذا الإرجاف كبَهْتِ قُريش للنبي عليه وآله السلام بالجنَّة تارةً ، وبالشعر أُخرى ، وبالسِحر مرّة ، وبالكِهانة اُخرى. وهم يعَلَمون ضِدَّ ذلك ونقيضَه ، كما عَلِم المنافقون ضِدَّ ما أرجفوا به على أمير المؤمنين ٧ وخلافَه ، وأَنّ النبيَ ٩ كان أخصّ الناس بأمير المؤمنين ٧ ، وكان هو أحبَّ الناس إليه وأسعدَهم عنده وأفضلَهم لديه.
فلمّا بلغَ أميرَ المؤمنين ٧ إرجافُ المنافقين به ، أراد تكذيبَهم وإظهارَ فَضيحتهم ، فلَحِق بالنبي ٩ فقال : « يا رسولَ الله ، إنّ المنافقين يَزْعًمون أنّك إنّما خَلَّفْتَني استثقالاً ومَقْتاً! فقال له رسولُ الله ٩ : اِرجِع يا أخي إلى مكانك ، فإنّ المدينَة لا تَصْلَحُ إلاّ بي أو بك ، فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقومي ، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنَّه لا نبيَّ بعدي ».
فتضمّن هذا القول من رسول الله ٩ نصَّه عليه بالإمامة ، وإبانته عن الكافّة بالخلافة ، ودلّ به على فضلٍ لم يَشْرَكه فيه سواه ، وأوجَب له به ٧ جميعَ منازل هارون من موسى ، إلاّ ما خصّه العُرْف من الاخُوّة واستثناه هو ٧ من النبوّة.