تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٥ - ٥٨٩ ـ إرميا بن حلقيا ، من سبط لاوي بن يعقوب
أن تبلغ نبأتك ، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اخترتك [١] ، ولأمر عظيم اجتبيتك. فقم مع الملك ناشية تسدّده وترشده.
فكان معه يرشده [٢] ، ويأتيه الوحي من الله ، حتى عظمت الأحداث [في بني إسرائيل][٣] ونسوا ما نجّاهم الله من عدوّهم سنحاريب وجنوده ، فأوحى الله تعالى إلى إرميا : [أن ائت قومك من بني إسرائيل][٤] قم فاقصص عليهم ما آمرك به ، وذكّرهم نعمتي عليهم ، وعرّفهم إحداثهم. فقال إرميا : يا ربّ إني ضعيف إن لم تقوّني ، عاجز إن لم تبلّغني ، مخطئ إن لم تسدّدني ، مخذول إن لم تنصرني ، ذليل إن لم تعزّني.
فقال الله له : أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي ، وأن الخلق والأمر كله لي ، وأن القلوب والألسنة كلها بيدي ، أقلبها كيف شئت فتطيعني ، فأنا الله الذي ليس شيء مثلي ، قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي ، وأنه لا يخلص التوحيد ولا تتم القدرة إلّا لي ولا يعلم ما عندي ، وأنا الذي كلّمت البحار ، ففهمت قولي ، وأمرتها ففعلت [٥] أمري ، وحدّدت عليها حدودا فلا تعدو حدّي [٦] ، وتأتي بأمواج كالجبال ، فإذا بلغت حدّي ألبستها مذلة لطاعتي وخوفا واعترافا لأمري ، وإني معك ولن يصل إليك شيء معي ، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلّغهم رسالاتي ، فتستوجب بذلك أجر من اتّبعك ولا ينتقص من أجورهم شيئا ، وإن تقصّر عنها تستحق بذلك مني وزر من تركته في عماءة [٧] ، ولا ينتقص ذلك من أوزارهم شيئا. انطلق إلى قومك فقم فيهم وقل لهم : إن الله ذكّركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم [٨] يا معشر أبناء الأنبياء ، وتسألهم كيف [وجد][٩] آباؤهم مغبّة طاعتي ، وكيف وجدوا هم مغبة معصيتي؟ وهل وجدوا أحدا عصاني فسعد بمعصيتي؟ وهل علموا أحدا أطاعني فشقي بطاعتي؟ إن الدوابّ إذا
[١] الطبري ١ / ٥٤٨ اختبرتك.
[٢] الطبري : يرشده ويسدده.
[٣] ما بين معكوفتين زيادة عن تاريخ الطبري ١ / ٥٤٨.
[٤] ما بين معكوفتين زيادة عن تاريخ الطبري ١ / ٥٤٨.
[٥] في الطبري : «فعقلت» وبهامشه عن إحدى نسخه : ففعلت.
[٦] الطبري : وحددت عليها بالبطحاء فلا تعدّى حدّي.
[٧] الطبري : في عماه.
[٨] سقطت من الأصل واستدركت عن هامشه وبجانبها كلمة صح.
[٩] في الطبري : حمله ذلك على أن يستتيبكم.