تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١١٨ - ٦١١١ ـ محمد بن إسماعيل أبو بكر الفرغاني
أخبرنا أبو الفتح الفقيه ، حدّثنا أبو الفتح نصر بن إبراهيم من لفظه قال : وقال أبو بكر محمّد بن إسماعيل الفرغاني قدمنا مكة ونزلنا في دير قبل دمشق ، ونزل معنا قوم من أهل الدنيا ولهم رواء ومنظر ، وفي الدير قائم فيه راهب قال : فرأيناهم وقد قدموا لأهل الدنيا خبزا أبيض ، وسمكا ، وجبنا ، وزيتونا ، وخلا وزيتا [١] أو أشياء ظريفة ، ونحن قعود من ناحية ، علينا خلقان ما يلتفتون إلينا ولا يعبئون بنا ، فلما فرغوا من إكرام أولياء أهل الدنيا قال الراهب : قدموا لأولئك شيئا يأكلون ، فأحضروا لنا خبزا أسود وأحسبه قال : وملحا أو عدسا [٢] قال محمّد بن إسماعيل فقلت لأولئك : كلوا ولم آكل أنا ، والراهب ينظر إليّ فقال لي : يا مسلم لم لا تأكل؟ فقلت له : يا راهب أيّما أجلّ عندكم أهل الدنيا أو [٣] الزاهدون فيها؟ قال : لا بل الزاهدون فيها ، فقلت له : كذبت ، فقال : وكيف؟ فقلت له : أحضر لأهل الدنيا الخبز الأبيض والأدم [٤] الطّيّب ، وأحضر للزهّاد الخبز الأسود والأدم [٥] الدون ، فتبينت أنّ أهل الدنيا في نفسك أجلّ من الزاهدين في الدنيا ، قال : قلت له : ما تقول في عيسى؟ فقال : ما تقول أنت فيه؟ قال : فقلت له : بشر يأكل الطعام ويتغوّط ، ويبوّل ، ويمشي في الأسواق ، فقال لي : ما هو عندي بشر ، قال : فقلت له : وأيش دليل ذلك؟ قال : كان يأكل في كل أربعين يوما ، وبشر لا يقدر على هذا ، قال : فقلت له : وأنت في كم تأكل؟ قال : في كلّ عشرة أيّام. قال : فقلت له : ففي هذا الدير من يصبر مثلك؟ فقال : لا ، قال : فقلت له : هذه لقوة يقينك [٦] وضعف يقين غيرك ، كذلك عيسى صبر أربعين يوما ، ولم تقدر أنت على ذلك لأنه نبي ، ولأنه أقوى يقينا منك ، ثم قلت له : إن أقمت أنا عندك أربعين [يوما][٧] لم آكل ولم أشرب تؤمن أن عيسى بشر ، وأنّ الذي أنت عليه باطل؟ ، فقال لي : إن أقمت أربعين يوما لا تأكل ولا تشرب أسلمت ، قال محمّد بن إسماعيل : فأقمت حذاءه أربعين يوما ، فلمّا كان يوم واحد وأربعين أشرف عليّ بالغداة وقال لي : يا أبا بكر أنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا
[١] بالأصل : «وزيتونا» والمثبت عن «ز» ، ود.
[٢] بالأصل ود : «وملح أو عدس» تصحيف ، والتصويب عن «ز».
[٣] بالأصل : «والزاهدون» والمثبت عن «ز» ، ود.
[٤] كذا بالأصل ود : الأدم. وفي «ز» : «الإدام» والأدم محركة : التمر البرني.
[٥] راجع الحاشية السابقة.
[٦] الذي بالأصل : «هذه العوه يغنيك» والمثبت عن «ز» ، ود.
[٧] زيادة عن «ز» ، ود. للإيضاح.