تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٦٢ - ٦١٩٧ ـ محمد بن الحجاج بن يوسف بن الحكم أبو كعب الثقفي
أنت للحجّاج خاصة ، فسأله أن ينشده في مديحه فيه ، فأبى وأقسم ألّا ينشده إلّا من قوله في الحجّاج فأنشده ، وخرج بغير جائزة ، فلمّا أزف الرحيل قال جرير لمحمّد : إن رحلت عن أمير المؤمنين ولم يسمع منّي ولم آخذ له جائزة سقطت آخر الدهر ، ولست بارحا بابه أو يأذن لي في إنشاده ، فارحل أنت وأقيم أنا ، فدخل محمّد إلى عبد الملك فأخبره بقول جرير واستأذنه له ، وسأله أن يسمع منه ، وقبّل يده ورجله ، فأذن له ، ودخل فاستأذن في الإنشاد ، فأمسك عبد الملك عن الإذن له ، فقال له محمّد : أنشد ويحك ، فأنشده قصيدته التي يقول فيها [١] :
| ألستم خير من ركب المطايا | وأندى العالمين بطون راح |
فتبسم عبد الملك ثم قال : كذلك نحن ، وما زلنا كذلك ، ثم اعتمد على ابن الزبير فقال :
| دعوت الملحدين أبا خبيب [٢] | جماحا هل شفيت من الجماح | |
| وقد وجدوا الخليفة هبرزيا [٣] | ألفّ العيص ليس من النواحي | |
| وما شجرات عيصك في قريش | بعشّات الفروع ولا ضواحي |
قال : ثم أنشده إيّاها حتى أتى على ذكر زوجته فيها فقال :
| تعزّت أم حزرة ثم قالت | رأيت الموردين ذوي لقاح [٤] | |
| تعلل وهي ساغبة بنيها | بأنفاس من الشّبم [٥] القراح |
فقال له عبد الملك : فهل يرويها مائة لقحة؟ فقال : إن لم يروها ذلك فلا أرواها الله ، فهل إليها ـ جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين ـ من سبيل؟ فأمر له بمائة ناقة وثمانية من الرعاء ، وكانت بين يديه جامات من ذهب ، فقال جرير : يا أمير المؤمنين تأمر لي بواحدة منهن تكون محلبا؟ فضحك ودحس [٦] إليه واحدة منهن بالقضيب ، وقال : خذها لا نفعتك ، فأخذها وقال : بلى والله يا أمير المؤمنين ، لينفعني كل ما منحتنيه ، وخرج من عنده.
قال : وقد ذكر ذلك جرير في شعره فقال يمدح يزيد بن عبد الملك [٧] :
[١] ديوان جرير ص ٧٣ من قصيدة يمدح عبد الملك بن مروان.
[٢] أو خبيب كنيته عبد الله بن الزبير ، وخبيب ابنه.
[٣] الهبرزي : الصافي ، والخالص.
[٤] عجزه في الديوان : رأيت الواردين ذوي امتناح.
البيت ليس في «ز».
[٥] في «ز» : «الشيخ». والشبم : الماء البارد.
[٦] كذا بالأصل ، ود ، و «ز» ، وفي الأغاني : «وندس».
[٧] البيت في ديوان جرير ص ٢٨٩ من قصيدة يمدح يزيد بن عبد الملك ويهجو آل المهلب.