تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٢٣ - ٦٧ ـ أحمد بن العلاء بن هلال بن عمر أبو عبد الرحمن الرّقّي القاضي أخو هلال بن العلاء
رسول الله ٦ أسامة بن زيد وعليا حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله ، فأمّا أسامة فأشار على النبي ٦ بما يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه من الودّ لهم. فقال : يا رسول الله ما نعلم إلّا خيرا. وأمّا علي فقال : يا رسول الله لم يضيّق الله عليك النساء ، والنساء سواها كثير. فإن تسأل الجارية تصدقك ، فدعا بريرة فقال : «يا بريرة رأيت شيئا يريبك؟» قالت : والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه [١] قط أكثر من إنها حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن فيأكله ، فقام النبي ٦ فاستعذر من عبد الله بن أبيّ فقال : «من يعذرني من رجل بلغ في أهلي أذاه ، فو الله ما علمت إلّا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي».
فقام سعد بن معاذ فقال : يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، إن كان من إخواننا الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا ما أمرتنا ، فقام سعد بن عبادة : وهو سيّد الخزرج وقد كان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن استحملته [٢] الحميّة فقال لسعد بن معاذ : كذبت لعمر والله لا تقتله ولا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال : ـ يعني لسعد بن عبادة ـ : كذبت لعمر الله لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين ، وتبادر الحيان ـ الأوس والخزرج ـ حتى همّوا أن يقتتلوا والنبي ٦ قائم على المنبر ، فلم يزل يسكتهم [٣] حتى سكتوا ، فمكثت يومي ذلك لا يرقى لي دمع ولا اكتحل بنوم ، وبت ليلتي لا ترقى لي دمع ولا أكتحل بنوم ، فأصبح أبواي عندي ، وقد لبثت ليلتي ويومي لا يرقى لي دمع ، وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي فبينما هما جالسان وأنا أبكي إذ [٤] استأذنت امرأة من الأنصار عليّ ، فأذنت لها ، فجلست تبكي فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله ٦ وجلس ـ فلم يجلس قبل ذلك منذ قيل ما قيل ، ولقد لبث شهرا لا يوحى إليه شيء ـ فتشهد رسول الله ٦ ثم جلس جلسة فقال : «أمّا بعد يا عائشة؟ فإنه قد بلغني كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه ، فإن العبد إذا أذنب ثم تاب إلى الله تاب الله عليه» ، فلما قضى النبي ٦ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة ، فقلت لأبي :
[١] عن مسلم وبالأصل «أغمضه» وفي مسلم «عليها» بدل «قط» وأغمضه عليها : يعني أعيبها به.
[٢] في مسلم : اجتهلته.
[٣] في مسلم : يخفضهم.
[٤] بالأصل «إذا» خطأ ، واللفظة لم ترد في مسلم.