الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٩٩ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
دخول الخوارج على عمر بن عبد العزيز قال : وذكروا أن ابن حنظلة أخبرهم قال : بعثني وعون بن عبد الله عمر ابن عبد العزيز إلى خوارج خرجت عليه بالحيرة ، رأسهم رجل من بني شيبان يقال له شوذب ، وكتب معنا كتابا إليهم ، فقدمنا عليهم ، فبعثوا معنا إليه رجلين أحدهما من العرب ، فأتينا بهما عمر ، فدخلنا عليه وتركناهما بالباب . فقلنا له : إنا قد بلغنا عنك ، وقد بعثوا معنا رجلين هما بالباب .
قال : فتشوهما لا يكون معهما حديد أو شئ ، ففعلنا ، ثم إننا أدخلناهما عليه . فلما دخلا قالا :
السلام عليكم . قال : وعليكم السلام ، اجلسا . فلما جلسا قال لهما عمر : ما الذي أخرجكم علينا ؟
فقال العربي : وكان أشدهما كلاما ، وأتمهما عقلا : أما إنا لم ننكر عليك عدلك ولا سيرتك ، ولكن بيننا وبينك أمر ، هو الذي يجمع ويفرق بيننا ، فإن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا ، وإن لم تعطنا فلسنا منك ولست منا . فقال عمر : فما هو ؟ فقال : خالفت أهل بيتك ، وسميتهم الظلمة ، وسميت أعمالهم المظالم ، فإن زعمت أنك على الحق وأنهم على الباطل ، فالعنهم وتبرأ منهم . فقال عمر : إنكم لم تتركوا الأهل والعشائر وتعرضتم للقتال إلا وأنتم في أنفسكم مصيبون ، ولكنكم أخطأتم وضللتم ، وتركتم الحق . أخبراني عن الدين : أو أحد أو اثنان . قالا : لا بل واحد . قال : أفيسعكم في دينكم شئ يعجز عني ؟ قالا : لا . قال : فأخبراني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم ؟ قالا : أفضل الناس أبو بكر وعمر . قال : ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدت العرب ، فقاتلهم أبو بكر ، فقتل الرجال ، وسبي النساء والذرية ؟
قالا : بلى . قال عمر : فلما توفي أبو بكر وقام عمر ، ورد تلك النساء والذراري إلى عشائرهما ، فهل تبرأ عمر من أبي بكر ، ولعنه بخلافه إياه ؟ قالا : لا . قال فتتولونهما على خلاف سيرتهما .
قالا : نعم . قال عمر : فما تقولان في بلال بن مرداس ؟ قالا : من خير أسلافنا . قال : أفليس قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والأموال وقد لطخ أصحابه أيديهم فيها ، فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى ، أو لعنت إحداهما الأخرى ؟ قالا : لا . قال : فتتولونهما على خلاف سيرتهما . قالا : نعم . قال عمر : فأخبراني عن عبد الله بن وهب حين خرج بأصحابه من البصرة يريدون أصحابهم ، فمروا بعبد الله بن خباب فقتلوه ، وبقروا بطن جاريته ، ثم عدوا على قوم من بني قطيفة ، فقتلوا الرجال ، وأخذوا الأموال وغلوا الأطفال في المراجل ، ثم قدموا على أصحابهم من الكوفة وهم كافون عن الدماء والفروج والأموال ، هل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى ، أو لعنت إحداهما الأخرى ، قالا : لا . قال : فتتولونهما على خلاف سيرتهما . قالا : نعم . فقال عمر فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة والأحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض ، ولا لعن بعضهم بعضا ، وأنتم تتولونهم على خلاف سيرتهم فهل وسعكم في