الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥٣ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
وصنع ما وصفت ؟ قال يا بني : وما علي أن أعفو عمن أكرمني الله على يديه ، وأرجو أن يغفر لي بصنيعته بي إن شاء الله . عليك يا بني بتقوى الله العظيم وطاعته ، فاتخذها بضاعة يأتيك الربح من غير تجارة ، وأوصيك بإخوتك خيرا ، وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ، اقبل حسناتهم ، وتجاوز عن سيآتهم ، واغفر زلاتهم ، وأوصيك بأهل الحرمين خيرا ، فقد علمت من هم ، وأبناء من هم ، أجزل لهم العطاء ، وأحسن لهم الجزاء ، يكافئك الله في الآخرة والأولى .
ثم توفي المهدي من يومه ذاك ، واستخلف الرشيد ، وخرج إلى الناس يبايعهم بوجه طلق ولسان سلط [١] ، فبايعوه ببغداد ، وذلك يوم الخميس من المحرم سنة ثلاث وسبعين ومائة ، وتمت له البيعة يوم الجمعة في المسجد الجامع ، فلم يختلف عليه أحد . ولا كره خلافته مخلوق ، فأحسن السيرة ، وأحكم أمر الرعية ، وكان أوحد أهل بيته ، ولم يشبهه أحد من الخلفاء من أهله ، رحمه الله .
قدوم هارون الرشيد المدينة قال : وذكروا أنه لما كانت سنة أربعة وسبعين ومائة ، خرج هارون حاجا إلى مكة ، فقدم المدينة زائرا قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، فبعث إلى مالك بن أنس ، فأتاه ، فسمع منه كتابه الموطأ ، وحضر ذلك يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن ، ولم يتخلف منهم أحد إلا حضر ذلك الموسم مع الرشيد وسمع وسمعوا من مالك موطأه الذي وضع ، وكان قارئه يومئذ حبيب كاتب الرشيد . فلما أتم قراءته قال هارون لفقهاء الحجاز والعراق : هل أنكرتم شيئا من هذا العلم ؟ قالوا : ما أنكرنا شيئا إلا ما ذكر من أمر الدماء ، والتدمية في القتل ، فإن هذا من أنكر ما يكون من العلم وأبطله ، يقول الرجل :
قتلني فلان فيقبل منه ، ويحلف أولياؤه على القاتل خمسين يمينا ، ثم يقتل ، ولعل أولياءه لم يحضروا ، ولم يكونوا بمصر ، فيعرض بهم الحنث في الأيمان ، فيقبل قول رجل على غيره ، وهو لا يقبل في ربع دانق [٢] يدعيه إلا ببينة تقوم ، إن هذا لهو الضلال . وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه ابن عباس حيث قال : " لو يعطي
[١] اللسان السلط : الطويل ، والمراد بذلك الفصاحة .
[٢] الدانق : بفتح النون : سدس الدرهم .