الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥١ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
ما قال أبو جعفر لعبد العزيز بن أبي داود قال : وذكروا أن أبا جعفر لما دخل في الطواف بالبيت لقي عبد العزيز بن أبي دواد في الطواف ، فقبض على يده ، ثم قال له : أتعرفني ؟ قال : لا . إلا أن قبضتك قبضة جبار .
فقال له : أنا أبو جعفر أمير المؤمنين ، فسلني من حوائجك ما شئت أقضها . قال : أسألك برب هذا البيت أن لا ترسل إلي بشئ حتى آتيك طوعا . فقال له أبو جعفر : ذلك لك ، فأقبل يمشي بمشيته في طوافه ، وكان شيخا كبيرا ضعيفا . فتأنف بقربه ، وثقل عليه كلامه .
فقال : أسألك بحرمة هذا البيت إلا تنحيت عني ، فتنحى عنه أبو جعفر وخلي سبيله .
وكان عبد العزيز بن أبي دواد هذا لا يرفع رأسه إلى السماء ، تخشعا لله ، فأقام كذلك أربعين سنة .
قدوم المهدي إلى المدينة قال : وذكروا أن مالك بن أنس لما أخذ في تدوين كتبه ، ووضع علمه قدم عليه المهدي بن أبي جعفر ، فسأله عما صنع فيما أمره به أبو جعفر ، فأتاه بالكتب وهي كتب الموطأ ، فأمر المهدي بانتساخها ، وقرئت على مالك . فلما أتم قراءتها : أمر له بأربعة آلاف دينار ، ولابنه بألف دينار .
موت أبي جعفر المنصور واستخلاف المهدي قال : وذكروا أنه لما كانت سنة ست وستين ومائة قدم أبو جعفر مكة ، فلما قضى حجه احتضر ثلاثة أيام ، ثم توفي في اليوم الرابع ، وولى ابنه محمد المهدي وكان معه يومئذ بمكة وأخوه جعفر ببغداد ، وكان قد عهد إليه أبو جعفر . فلما قفل المهدي إلى بغداد أتاه رجل فقال له : أدرك أخاك جعفرا ، فإنه قد هم بمنازعتك ، وهو يريد خلعك ، فأخذ في السير ، ومعه الجنود والأموال ، وصناديد الرجال من العراق ، ورجال العرب ، ووجوه قريش . فلما قدم العراق اعتذر إليه جعفر مما رفع إليه عنه ، وحلف له أنه ما نوى ولا أراد منازعته ، ولا أشار إلى خلافه ، ولا هم به ، فقبل منه المهدي ذلك ، وعفا عنه ، وكان كريما سخيا حليما ، فلما كان سنة سبع وستين ومائة قدم حاجا ، فدخل المدينة زائرا لقبر النبي صلى الله عليه وآله ، فدخل عليه مالك ، فحضه على الإحسان إلى أهل المدينة ، وحدثه بفضلها وفضل أهلها ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله فيها : أمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون يثرب ( وهي المدينة ) تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد ، ثم قال يا أمير المؤمنين : أفليس هؤلاء أهلا أن يعانوا على الصبر عليها