الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥٥ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
القاضي مع الرشيد يومئذ ، فسأله أن يجمع بينه وبين مالك ، ليكلمه في الفقه . فقال الرشيد لمالك : كلمه يا أبا عبد الله ، فأنف من ذلك مالك ، وتنزه عنه ، وقال لهارون : ها هنا من فتيان قريش من تلامذتنا ، من يبلغ حاجة أمير المؤمنين ، ويخصمه [١] فيما يتكلم به ، ويذهب إليه ، فسر ذلك الرشيد حين أضاف ذلك إلى قريش . فقال : من هو ؟ فقال : المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي ، فبعث إليه الرشيد فجمعه بأبي يوسف فقال : كلمني بما بدا لك أجاوبك .
فقال أبو يوسف القاضي : يا أمير المؤمنين إن هؤلاء ، يعني مالكا وأصحابه ، يقضون بغير ما في كتاب الله ، يقول الله عز وجل " وأشهدوا ذوي عدل منكم " : وقال : " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " وهؤلاء يقضون باليمين مع الشاهد ، ولا نسمع أن الله تعالى ذكر إلا شاهدين وأربعة شهداء ، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى به ، وإنما يدور هذا الحديث الذي روى فيه سهيل عن أبي صالح عن أبيه ، ثم نسبه سهيل ، فكان يحدث ويقول : حدثني ربيعة عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد " فلما نسبه سهيل بطل الخبر ، وأثبت أصله ، فلا معنى لذكره . قال المغيرة : قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقضى به علي بالكوفة . فقال أبو يوسف : أنا أكلمك بالقرآن ، وأنت تكلمني بأفعال الناس ، أتراك تعرفني بهذا ، وبما قضى به علي وغيره ؟ فقال المغيرة .
فأنت كافر بنبي قضى باليمين مع الشاهد ، أو مؤمن به ؟ فسكت أبو يوسف فحجه [٢] المغيرة .
فسر بذلك الرشيد ، وأمر للمغيرة بألف دينار . ثم أرسل الرشيد إلى مالك فقال : ما تقول في هذا المنبر ، فإني أريد أن أنزع ما زاد فيه معاوية بن أبي سفيان وأرده إلى الثلاث درجات ، التي كانت بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له مالك : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإنما هو من عود ضعيف قد تخرمته المسامير ، فإن نقضته تفكك ، وذهب أكثره ، ومع هذا إنه يا أمير المؤمنين لو أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن عليه أن ينتقل عن المدينة ، يأتي بعدك أحد فيقول أو يقال له : ينبغي لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون معك حيث كنت ، فإنما المنبر للخليفة ، فينتقل كما انتقل من المدينة كل ما كان بها من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أعلم أنه ترك له عليه الصلاة والسلام بها نعل ولا شعر ولا فراش ولا عصا ولا قدح ولا شئ مما كان له ها هنا من آثاره إلا وقد انتقل : فأطاعه الرشيد ، وانتهى عن ذلك برأي
[١] يخصمه بضم الصاد : ينتصر عليه في هذه الخصومة .
[٢] حجه : انتصر عليه في حجته .