الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥٧ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين ، فنظر إليه الفضل بن عياض ساعة ، ثم قال : هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد ويؤاخذ بها ، لئن كان العفو والغفران يسعك مع ما أنت فيه ، إن هذا لهو الفضل المبين ، وكان الرشيد من أجمل الناس خلقا ، وأحسنهم نطقا ، وأبلغهم لسانا ، وأعذبهم كلاما ، وأكثرهم علما وفهما ، ثم جعل الفضل بن عياض يعظه ويخوفه حتى بكى هارون بكاء شديدا . قال ابن المبارك . ما رأيت أحدا يبكي بكاء الرشيد يومئذ ، ثم أفاق من بكائه ، فجعل الفضل يذكر مثالبه ، ومثالب أهل بيته ، ورداءة سيرتهم ، وخلافهم الحق ، ثم لم يدع شيئا يعيبه به ، ولا أمرا ينتقصه فيه إلا واستقبله به . فقال له الرشيد : يا أبا الحسن ، أما لك ذنوب تخاف أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك : فقال الفضل : بلى . فقال الرشيد :
فما جعلك بأحق أن ترجو المغفرة مني ؟ وأنا على دين يقبل الله فيه الحسنات ، ويعفو عن السيئات ، ومع ذلك فإني والله ما كنت لأخير [١] بين شئ وبين الله إلا اخترت الله تعالى على ما سواه ، الله الشاهد على قولي ، والمطلع على نيتي وضميري ، وكفى به شهيدا : وأنا مع هذا ألي من الإصلاح بين الناس ، والجهاد في سبيل الله ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ما لا تليه أنت ، فما جعلك أحق أن ترجو المغفرة مني ؟ فسكت الفضل ساعة ثم قال : ما ظلمك من حجك [٢] ، ثم قام هارون للخروج . فقال الفضل : يا أمير المؤمنين ، إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا ، فقال الرشيد : أجل إنه ما قلت . فلما قدم الرشيد العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر أن كتب إلى الأمصار كلها ، وإلى أمراء الأجناد ، أما بعد : فانظروا من التزم الأذان عندكم ، فاكتبوه في ألف من العطاء ، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعمر مجالس العلم ، ومقاصد الأدب ، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء ، ومن جمع القرآن ، وروى الحديث ، وتفقه في العلم واستبحر ، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء ، وليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر ، من المعروفين به من علماء عصركم ، وفضلاء دهركم ، فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم ، فإن الله تعالى يقول : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " وهم أهل العلم . قال ابن المبارك : فما رأيت عالما ولا قارئا للقرآن ، ولا سابقا للخيرات ، ولا حافظا للمحرمات بعد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه ، لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين ، ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم ، ويروي الحديث ، ويجمع الدواوين ، ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة .
[١] الأخير : لا أفاضل بين شئ وبين الله .
[٢] من حجك : من غلبك بالحجة .