الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥٠ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
مالك : فحمدت الله تعالى على كل حال ، وصليت على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم نزهته عن الأمر بذلك ، والرضا به . ثم قال : يا أبا عبد الله ، لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم ، وإني إخالك أمانا لهم من عذاب الله وسطوته ، ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة ، فإنهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن ، وأضعفهم عنها ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ، وقد أمرت أن يؤتى بعدو الله من المدينة على قتب ، وأمرت بضيق مجلسه ، والمبالغة في امتهانه ، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه . فقلت له : عافى الله أمير المؤمنين ، وأكرم مثواه ، قد عفوت عنه ، لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم منك . قال أبو جعفر :
وأنت فعفى الله عنك ووصلك . قال مالك . ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء ، فوجدته أعلم الناس بالناس ، ثم فاتحني في العلم والفقه ، فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه ، وأعرفهم بما اختلفوا فيه ، حافظا لما روى ، واعيا لما سمع ، ثم قال لي : يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ، ودون منه كتبا ، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس ، وشواذ ابن مسعود ، واقصد إلى أواسط الأمور ، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله عنهم ، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ، ونبثها في الأمصار ، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ، ولا يقضوا بسواها ، فقلت له : أصلح الله الأمير ، إن أهل العراق لا يرضون علمنا ، ولا يرون في عملهم رأينا . فقال أبو جعفر : يحملون عليه ، ونضرب عليه هاماتهم بالسيف ، ونقطع طي ظهورهم بالسياط ، فتعجل بذلك وضعها ، فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إن شاء الله إلى المدينة ، ليسمعها منك ، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله . قال مالك : فبينما نحن قعود إذ طلع بني له صغير من قبة ، بظهر القبة التي كنا فيها . فلما نظر إلي الصبي فزع ، ثم تقهقر فلم يتقدم . فقال له أبو جعفر : تقدم يا حبيبي ، إنما هو أبو عبد الله فقيه أهل الحجاز ، ثم التفت إلي فقال : يا أبا عبد الله ، أتدري لم فزع الصبي ولم يتقدم ؟ فقلت : لا . فقال :
والله استنكر قرب مجلسك مني إذ لم ير به أحدا غيرك قط ، فلذلك قهقر . قال مالك : ثم أمر لي بألف دينار عينا ذهبا ، وكسوة عظيمة ، وأمر لابني بألف دينار ، ثم استأذنته فأذن لي ، فقمت فودعني ودعا لي ، ثم مشيت منطلقا ، فلحقني الخصي بالكسوة فوضعها على منكبي ، وكذلك يفعلون بمن كسوه ، وإن عظم قدره ، فيخرج بالكسوة على الناس فيحملها ، ثم يسلمها إلى غلامه ، فلما وضع الخصي الكسوة على منكبي انحنيت عنها بمنكبي ، كراهة احتمالها ، وتبرؤا من ذلك ، فناداه أبو جعفر : بلغها رحل أبي عبد الله .