مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٢٦٧
العذاب ان كان لأغراض حميدة.
قوله تعالى : (وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
الضمير يرجع إلى الكافرين المنفقين. وهذه القضية مكررة في القرآن الكريم بأساليب مختلفة ، وهي تدل على نفي الظلم عنه عزوجل وثبوت الاختيار للإنسان وانه الفاعل المختار ، وان الجزاء والآثار التي تترتب على الأفعال انما يستحقها بما يختاره من الأفعال والأعمال إن خيرا فخير وان شرا فشر. وذلك لان نظام العالم انما يتحقق يترتب المسببات على الأسباب والمعلول على العلة ، فإذا كان للشيء سببا واحدا فالترتب واضح معلوم ، واما إذا كانت الأسباب متعددة والمقتضيات كثيرة ، فالمسبب والمقتضى (بالفتح) يترتب على السبب الأخير ، وان كان للجميع دخل في التحقق ، ولا ريب ان جميع الممكنات يستند إلى قضاء الله تعالى وقدره ، ومشيته الكاملة ، ولكنه تعالى أراد ان يجعل الإنسان مختارا في أفعاله لحكم كثيرة منها تصحيح قانون الثواب والعقاب على الفعل الاختياري وحينئذ يستنكر العقل ان يستند الظلم إلى الله تعالى بعد خلقه للإنسان مختارا في أفعاله واعماله فتنحصر نسبة الظلم إلى الفاعل المباشر فالآية الشريفة هي قضية عقلية كما عرفت. ومن أهم الأمور الدينية ، لان جميع الأديان الإلهية تستنكر استناد الظلم إلى الله عزوجل. ووجدانيته لان الله تعالى بعد ان أتم الحجة على العباد وبيّن لهم الصراط المستقيم وأرسل الرسل وانزل الكتب لتكميل الإنسان ومنحهم العقل والشعور والاختيار ، فإذا اختار عبد غير المطلوب منه فقد ظلم نفسه بأن حرّم نفسه من الكمالات والأجر الجزيل.