رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٦٤ - أبو طالب في سامراء
نعود إلى ضفة النهر، و اضطررنا أيضا أن نرجع أدراجنا إلى مسافة ثلاثين ميلا و الارتفاع إلى قرية بلد، و لم نستطع أن نحصل فيها إلّا على سرر نوم رديئة مع مقاساتنا عسرا شديدا في البحث. و في اليوم الرابع عدنا إلى ضفة النهر و من هناك عبرنا بعد أن خاطرنا بأنفسنا، و نزلنا إلى الضفة الأخرى قبيل غروب الشّمس، و بتنا تحت خيمة شيخ أعرابي من سكان الصحراء، و قد ظهر أنّ هذا الشيخ مراء و مراوغ كبير، فلأنّه كان متوعك المزاج بنزلة صدرية حادة استعجلني في إنقاذه منها، و قد بعثه باعث الانتفاع بما عندي من علم بالطبّ على الإلحاح عليّ في أن أمكث بعض الوقت عنده أمرّضه، فلما أبيت، سوّلت له نفسه أن يخفي بغلي و فرس دليلي في أثناء اللّيل و يؤكد لي أنّهما هربا من مرابطهما و بهذه الخدعة يأمل أن يبقيني عنده ما دام محتاجا إليّ مع إرادته أن يعتصر منّي مكافأة مالية على رجعه الحيوانين، فأحنقني بهذه السيرة، و اعتزمت أن أقول له إنّ مركز الألم في محجر عينه، و لا أستطيع علاجه إلّا بأحداث شق عميق فيه و لا يمكنني ذلك فلا آلة له عندي، فأقنعته بتقريري. و بالظهر أعاد إليّ الفرس و البغل، و عاودنا مسيرنا بلا تلبث، و سرعان ما بلغنا نهروان [١]: قرية شهيرة بظفر الخليفة عليّ بأعدائه الخوارج [٢]. فعبرنا أودية و أرضا متحدرة حتّى نحو الساعة الثالثة من بعد الظهر على التقريب و إذ ذاك رأينا خان قوافل متهدما، و هو قائم على تلّ و يعرف باسم سراي المزراقجي [٣] و هذه المنزلة الثانية الّتي ينزل فيها الزوار للاستعداد للزيارة بحسب العادة، و لما كنّا على
[١] أراد أبو طالب «القاطول الكسروي» الّذي احتقره كسرى أنوشروان كما ذكرت ياقوت الحموي في «القاطول» من معجم البلدان، و قد سماه النّاس «نهروان» أو «النهروان» على لغة أخرى من باب الأعمام لأنّه كان بعد أن يصب فضل مائه في وادي العظيم يظهر للرائي كالخارج من العظيم إلى قاطول القناية بين العظيم و ديالى من جهة بعقوبا، و يظهر للناظر هناك كالخارج من ديالى إلى نهروان الأصلي فوق ما يعرف بكاسل بوست و يمتد إلى آخر لواء الكوت و ينتهي عند أرضه الجنوبية، قال الطرماح «طال في شط نهروان اغتماضي». (المترجم).
[٢] كانت وقعة الخوارج على النهروان الأصلي تحت كاسل بوست. (م).
[٣] هذه الخانات معروفة بخانات المزراقجي أحد أعيان التجار الكبار من الشيعة ببغداد و قد صحفه أبو طالب لغلبة «الميرزا» على ذهنه و كتبه «مرزاكوجي» و سيذكره في سفره إلى كربلاء بصورة «مرزاكيجي». (م).