رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٨٠ - مغادرة أبي طالب لندن
مغادرة أبي طالب لندن
قد كنت أنتظر فرصة سلام عام لأستفيد منها، تحقيقا لرغبتي منذ مدّة في الرجوع إلى الهند و زيارة عدّة أقطار استثارت شهرتها في نفسي ميل التعرّف و ارتأيت أن ألتحب طريق فرنسا فألمانيا فهنغاريا إلى القسطنطينية و أعبر منها إلى آسيا و أشتق بلاد العرب و أصير إلى الخليج العربي، فتكون المسافة في البحر قصيرة جدا لدخولي بلاد الهند.
و بعد إقامتي في لندن سنتين و خمسة أشهر ودّعت أصدقائي، و بالعاشر من صفر سنة ١٢١٧ الهجرية الموافق اليوم السابع من حزيران سنة ١٨٠٢ الميلادية [١]، سافرت إلى دوفر و كانت المسافة الّتي قطعتها إليها سبعين ميلا، و قد وصلنا [٢] إليها مساء، و إذ علمت أنّنا لن نقف في أثناء تلك المسافة لنتغدّى، عزمت أن أطعم من طعام جيّد نفيس، قبل أن أغادر هذه البلاد الحبيبة [٣]، و لكن أهل دوفر كانوا جدّ متمسّكين بالعادات الفرنسية، بحيث كانت عاقبة انتظاري أنّ جميع الألوان المعدّة كانت على ذوق الفرنسيين في مطابخهم، و الّذين كانوا في الفندق الّذي نزلناه لما رأوني أجنبيا، لم يتخاطبوا إلّا باللغة الفرنسية، و أمر واحد أكّد لي أنّهم لم يعدلوا عن عاداتهم بمرّة هو أنّهم ضخّموا قائمة النفقات تضخيما مباينا للمعقول فكل شيء قد رفعوا سعره إلى سبعة أمثاله في العاصمة لندن، و موظفوا الكمرك عرفوا أيضا بجشعهم حتّى لقد عاسروني من أجل أشياء ليست خاضعة للمكس للبتّة. و قد رافقني لحسن حظي في السفر من لندن إلى دوفر تاجر إنكليزي أمريكي ذو خلق لطيف جدا. و كانت طيّته القصد إلى باريس لاسترجاع سفينة استولت عليها ظلما بارجة فرنسية حربية من قبل، و لما
[١] ذكر محمّد مختار باشا في التوفيقات الإلهامية- ص ٦٠٩- أنّ أوّل صفر لسنة ١٢١٧ ه هو الخميس و أنّه يوافق اليوم الثالث من حزيران، و على هذا التقويم يجب أن يكون اليوم العاشر من صفر مساويا للثالث عشر من حزيران. (م).
[٢] أراد أن يشعر القارئ بقوله «وصلنا» أنّه لم يكن وحيدا في السفر. (م).
[٣] سرعان ما صارت عنده حبيبة. (المترجم).