رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٤٤ - أبو طالب يغادر القسطنطينية
عظيمة التقدير، و منه ينبع نهر دجلة، و أخذنا طول الصباح و الضحى لا نأتي إلّا عبور النهر و تكرار عبوره، و كانت مياهه ضحلة و لكنّها تجري جرية شديدة، و كمية الترنوق أي الطين الوحلي المشبعة به هذه المياه جعلت لونها مصفارا، و نهر دجلة يكبر و يعرض كثيرا كلّما انحدر مجراه، ففي ديار بكر يكون عريضا عرضا غير قليل، و في الموصل اضطر أولو الأمر إلى مدّ جسر عليه، و رأيته ببغداد أعرض من نهر الكانج في عدّة مواضع. و مدينة «أركانه» قائمة على صفح جبل و الطريق هناك جدّ منحدرة و متصلبة بحيث يصعب على الأجنبي كثيرا أن يصعّد فيها. و هذه المدينة هي أولى المدن الّتي يدخلها المسافر من الجزيرة، و هكذا تسمّى البلاد الواقعة بين دجلة و الفرات. إنّ ثورة سكان ديار بكر على الحكومة التركية جعلت الطريق خطرا فتوقفت في اليوم الأول من شهر رمضان (سنة ١٢١٨ ه) الموافق لليوم الثامن و العشرين من كانون الأوّل [١] (سنة ١٨٠٢ م) لكي ألتحق بقافلة عازمة على السفر في غد ذلك اليوم من «أركانه».
و في التاسع و العشرين من كانون المذكور سافرنا مبكرين و بعد مسير أربع عشرة ساعة توقفنا في خرائب خان، و إذ كان المطر مستمرا طوال النّهار و البرودة قارسة كان هذا الملجأ الرديء عظيم الفائدة لنا، و ذلك أنّه جعلنا نستطيع أن نوقد نارا عظيمة لتجفيف ملابسنا و أغطيتنا. و باليوم الثالث (من شهر رمضان) و اصلنا مسيرنا و إن كان المطر لم يزل مستمرا، فوصلنا إلى ديار بكر [٢] ظهرا و هي على مسافة نحو من ثمانية و ستين ميلا من «أركانه». و ديار بكر من أجمل المدن و أكثرها سكانا في ذلك الصقع، و هي على ضفة دجلة، و تحيط بها هضاب تغطيها الأعشاب، و في أعالي الهضاب في الغالب مساكن صغيرة تحف بها الحدائق و البساتين و الغياض، و أوجز القول بأنّ منظر هذا الموضع جذاب خلاب حقا، و ممّا زاد في روع جماله
[١] في تقويم «التوفيقات الإلهامية» ورد أنّ أوّل شهر رمضان سنة ١٢١٨ ه يوافق ١٥ من كانون الأوّل و أنّ أوّل شهر رمضان لسنة ١٢١٧ ه يوافق ٢٦ كانون الأوّل، فكيف نوفق بين الأمرين و قد ذكر أبو طالب أنّه تحرك من القسطنطينية في الرابع من شعبان سنة ١٢١٨ ه الموافق الثاني من كانون الأوّل سنة ١٨٠٢ م؟ (المترجم).
[٢] ذكرنا سالفا أنّ اسمها القديم هو «آمد». (المترجم).