رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٤٨ - مجالس القضاء و المحلفون و الوكلاء
على توكيل جريّ [١] لا يفهم من لغته كلمة و لا يفهم عنه شيئا إلّا بترجمان، و هذا الجريّ، لعدم قبضه أجرة المجاراة مسانهة و لا مشاهرة و لا مياومة يعقّد القضية كما يريد و بعد برهة عدّة شهور أو عدّة سنين تفتح المخاصمة القضائية، و يكون المدافع سعيدا إن أثبت أنّ المدعي و شهوده المزوّرين قد ارتكبوا تزويرا، فيحصل على حكم يلزم الطرف الثاني في الدعوى دفع نفقات القضية، غير أنّه ليس من النادر أن يستتر المدعي يوم المحاكمة إن علم نتيجة الحكم سابقا، أو يبقى، و قد خشي أن يسجن، فيدّعي أنّه فقير، و لهذا الهوان القضائي يجب على خصيمه في الدعوى أن يدفع إليه في كل أسبوع ما يعيش به و إلّا يطلق القاضي اللص و يتركه يعاود تزويراته الاختلاسية الابتزازية.
و أنا لم أعرض المسألة، حتّى الآن، إلّا بوجهها المناسب للصحّة و لنحسب أنّ المدافع كان عاجزا عن تقديم كفالة بمثل هذا المبلغ الجسيم فإنّه يعتقل [٢] في قصر العدالة في أوّل يوم بحراسة ضباط الشرطة، فإن كان هندوكيا منع من الطعام و إن كان مسلما منع من القيام بالفروض الدّينيّة [٣]، و في اليوم الثاني، مع استخزاء أهله، ينقل إلى سجن يجمع بينه و بين المجرمين، و باللّيل يدخل في حبس مظلم، و ألوف من الأشخاص المحترمين يقعون في هذا الشقاء قبل أن تستقصى أحوال القضية، و إن عاش بائع التفاريق المزعوم حتّى يوم المحاكمة، فإنّه يحضر إلى مجلس القضاء تحت الاستظهار تحفّ به الحراس، و هناك قد يستعمل المدعي خدائعه السابقة بأعيانها. و السلوى الوحيدة الّتي ينالها ذلك المتهم المسكين المدعى عليه هي أن يسمع من يقول في مجلس القضاء «إنّ هذا قد قاسى ما قاسى ممّا يغيظ الإنسان و يسخطه».
و إنّ المكاره الّتي يكابدها الشهود في شهادتهم و يقاسونها عندما يؤمرون رسميا بموافاة كلكتّا جد كبيرة بحيث لا تجد اليوم في الهند شخصا
[١] جاء في مختار الصحاح «و الجري: الوكيل و الرسول» و قد جرى جريا و استجرى أيضا أي و كل وكيلا و أرسل رسولا. و في الحديث: قولوا بقولكم و لا يستجرينكم الشيطان» أي لا ينطقكم عن لسانه بزور القول.
[٢] في أصل الرحلة الفرنسي «فإنّه يسرح و يطلق» و هذا من سوء الترجمة. (م).
[٣] قال مصطفى جواد: هذا تاريخ مخازي القضاء الإنكليزي فيتأمّله المتأمّل و يعتبره المعتبر.