رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٤٠ - أبو طالب يغادر القسطنطينية
و في اليوم الخامس عشر من آذار (سنة ١٨٠٢ م) عزمت على النزول في قرية «ترخال» و لكني اضطررت إلى علف خيلي بنفقة منّي، لأنّ قواعد الأتراك لا تجيز للمسافرين و الرحالين التوقف فيما عدا المنازل المعينة، و هذه القرية ظاهرة الجمال، و سكانها كما يدلّ عليه ظاهرهم مؤدّبون متمدنون.
و في اليوم السادس عشر وصلنا إلى توقات [١] بعد مسيرة ثمانية و ثمانين ميلا، و توقات من أقدم المدن و أشهرها في أرمينيا، و أرضها تغلّ عنبا كثيرا كبار الحجم لم أر مثله، و قد اضطررنا إلى التوقف في توقات ثلاثة أيّام إذ لم نجد فيها خيلا (بريدية) حتّى لقد أجبر الحاكم أحد سواق العربات الأهليين أن يعد لنا فرسين و عدّة بغال، و تهدد مدير البريد تهددا حمله و أتباعه على الهرب. و الأرض الّتي بين أماسيه و توقات كلها جبليّة، و الطرق فيها ملتوية، و في هذه الجبال معادن ذهب و معادن فضة تستخرجهما الحكومة، فالمعدنيات الّتي تستخرج منها تنقل إلى القسطنطينية لتضرب نقودا. و قد أمضينا ليلة العشرين من آذار في قرية «كارخان».
و بالحادي و العشرين من آذار (سنة ١٨٠٢ م) بلغنا «سيواس» و المسافة بين توقات و بينها ستة و تسعون ميلا، و العادة أن تسار كلها بيوم واحد و لكن رداءة المناخ و الخشية من أن يدفننا الثلج اضطرّتانا أن نقطعها بيومين، و في هذين اليومين سقط ثلج كثير جدا، و كانت الريح تعصف بشدّة حتّى لقد قذفت بغلين من بغالي محملين حملين ثقيلين في اللهوب [٢] فتقطعا قطعا.
و سيواس هي سيباست الرومية، مدينة قديمة و كبيرة، و ذكرها مستفيض في التاريخ، و لم يمنع ذلك إن كانت شوارعها قذرة و متوحلة جدا بحيث ساخت فرسانا حتّى صدورهما، و قد تشرّفت في هذه المدينة بالبيتوتة في دار الباشا. و كانت- و أذكرها عرضا- مملوءة براغيث، و بها يستطاع معرفة
[١] في معجم البلدان «توقات بالفتح ثمّ السكون و قاف و تاء فوقها نقطتان: بلدة في أرض الروم بين قونية و سيواس ذات قلعة حصينة و أبنية مكينة بينها و بين سيواس يومان»، و هي غير طوغات من أعمال أرزن الروم».
[٢] اللهوب جمع اللهب على وزن الشبر و هو المهواة بين جبلين. (المترجم).