رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٣٩ - أبو طالب يغادر القسطنطينية
من حيث كنّا، و في اليوم الحادي عشر بلغنا «بندر» فقره جيلة و بعد أن بدلنا الخيل واصلنا السير إلى «قره جوران» و قد قطعنا هكذا أربعة و ثمانين ميلا في يوم واحد، و كان الوقت حين وصلنا إلى المنزلة الأخيرة منتصف اللّيل، فاضطررت إلى النوم فيها، و آذتني حشراتها، أشد الأذى، و قره جوران مشهورة بعسلها و زبدها الّذي يستبضع إلى مدن بعيدة.
و في اليوم الثاني عشر من آذار (سنة ١٨٠٢ م) بلغنا مبكرين «قبة حصار» و هي قرية كثيرة القذارة، و موظفو البريد فيها هم لصوص كبار، و قد جعلونا ننتظر ساعتين بحجّة تنعيل الخيل و إعداد الغداء لأتباعي و بعد أطلاب [١] مكرّرة منّي أحضروا لنا الخيل، و كانت نتيجة هذا التأخير أنّ كان اللّيل قد أرخى سدوله حين وصلنا إلى «توزيه» و كانت مسيرتنا في هذا اليوم نحوا من ثمانين ميلا و توزيه مدينة كبيرة و لكن دار بريدها كانت أردأ مقام و أكرهه، و الّذين يسكنونها هم أطمع الخلق الّذين لقيتهم في حياتي، و نزاعي لهؤلاء الأردياء كان سببا في أنّي لم أستطع مواصلة السفر في اليوم الثالث عشر إلّا في نحو الساعة العاشرة فأوّل منزلة لنا كانت في «حاجي حمزة» على مسافة مقدارها نحو من ستة و ثلاثين ميلا، و الثانية «عصمان [٢] جق» على اثنين و ثلاثين ميلا منها، و سرنا كل ذلك النّهار في أطراف جبال ذوات منحدرات صعبة، و في طرق وعرة بشيعة خطرة.
و في اليوم الرابع عشر من آذار تغدّينا في «ميرسوان» على مسافة ستة و خمسين ميلا، و في نحو منتصف اللّيل وصلنا إلى «أماسيه» بعد مسيرة قدرها اثنان و أربعون ميلا، فتكون المسيرتات ثمانية و ثمانين ميلا. و ميرسوان قرية كبيرة قائمة في سهل فسيح جدا، و قد بان لنا من سكانها أنّهم كثيرو العناية بنا، و حفدوا في إعداد خيل لنا. و في أماسيه لم يكن الأمر كذلك، فمع أنّ هذه المدينة عظيمة، و فيها كثير من الطواحين المائية و الهوائية، طرقها ضيّقة و فيها كثير من الشقف [٣]، و دار البريد غاية في القذارة و قيّمها محتال مكّار.
[١] الأطلاب جمع الطلب كالأطراب جمع الطرب. (المترجم).
[٢] تصحيف «عثمان» من ارتضاخ اللكن. (المترجم).
[٣] الشقف جمع الشقفة و هي القطعة من الخزف، و في أصل الترجمة الفرنسية «مملوءة من الأواني» و لا معنى مناسبا له. (المترجم).