رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٥٤ - أبو طالب في الموصل
الاضرار بي بدلا من إطاعة أوامر سيّده، فرعى الباشا شكايتي و أمر المهمندار المذكور أن يغادر الموصل في الحال، و كلّف في الوقت نفسه قاسما و هو خواجه داره أي ثقته بمصاحبتي و مرافقتي إلى بغداد. و قد فاجأ هذا الأمر المهمندار و ترك الموصل متوجها إلى كركوك بدلا من أن يعود إلى القسطنطينية، و سلك في ذلك طريق بغداد ابتغاء أن يقفني في الطريق و يحصل منّي على «راضي نامه [١]» أي شهادة حسن السيرة، و لكن آماله خابت، فقد اتخذت جميع ما استطعت من حيطة و تدبير لكيلا يلحق بي إلّا ببغداد.
و في اليوم الثالث و العشرين من شهر رمضان فصلت من الموصل و قد أقمت فيها خمسة أيّام [٢] و بعد أن عبرت دجلة نزلت إلى قره قوش على مسافة ستة عشر ميلا من الموصل. و باليوم الرابع و العشرين عبرنا نهر الزاب الّذي يفصل حكومة الموصل من حكومة بغداد، و واصلنا سفرنا إلى «عنكاوه» و كان يحميني في هذه السفرة جنديان أرسلهما معي محمّد باشا برهانا على تقديره مقامي و قدره إيّاي و صداقته، و البلاد الّتي اجتزناها يسكنها عرب [٣] نصارى من قبيلة غسّان، و إذ كانت الفنادق رديئة جدا ذهب دليل الجديد «خواجدار» إلى دور الرؤساء، فكانوا يسرعون إلى إضافتي.
و في اليوم الخامس و العشرين وصلنا إلى «آلتون كبري» بعد مسيرة مقدارها ثمانية و أربعون ميلا، و آلتون كوبري قرية كبيرة يعني اسمها التركي «عدّة قناطر [٤]» و في الحقيقة يجد المار بها نحوا من ثماني قناطر، و أكثرهن ليس لهن إلّا حنية واحدة مع ضخامة و جسامة تجعلان العبور غاية في السهولة، و في اليوم السادس و العشرين قصدنا إلى كركوك و هي على مسافة
[١] أي شهادة الرّضا. (المترجم).
[٢] سيذكر أبو طالب في كلامه على عودته من النجف إلى بغداد أنّ محمّد باشا زوده كتابا إلى علي باشا والي بغداد يوصيه فيه به. (المترجم).
[٣] عدهم عربا لتكلمهم باللغة العربية في سيرتهم العامّة. (المترجم).
[٤] الصحيح أنّ معناه «قنطرة الذهب» فألطون: الذهب، و كبري قنطرة، و يقدم المضاف إليه على المضاف. (المترجم).