رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢١٩ - أبو طالب في القسطنطينية
رفعوا أصواتهم، و يتكلّم غالبا سبعة أو ثمانية منهم معا، حتّى ليكون مستحيلا على أجنبي أن يفهم شيئا من كلامهم، و أوجز القول بأنّ هذه المقاهي تشبه اجتماعات بهائم، بله أنّهم قذرون و لا تجد عندهم إلّا قهوة رديئة، و كذلك التبغ و السّبل. و الفنادق أكثر بشاعة فلا يستطيع السائح النوم الملائم له إلّا في غلطة و فندق فرنسا أو فندق إنكلترا، و لا يعوز السائح هنا حمامات حارّة، و لكنّها عامّة للنوعين: للرّجال و النّساء، و مهملة، فالرّجال يذهبون إلى الحمامات عند تبلج الصبح و يخرجون الساعة العاشرة، و تدخل بعدهم النّساء من وقت خروجهم حتّى ما بعد الظهيرة.
و قد رأيت في القسطنطينية ممّا سرني الزوارق الطويلة و خيل الاكراء و الأحواض العامّة، ففي كل شارع حوض ذو حنفية معلّق عليها طاس من الصفر يغترف به المارة الماء فيطفئون عطشهم، و أذكر أيضا الأسواق فكل سوق لنوع من البضاعة، حتّى ليستطيع المتسوّق الحصول بسهولة على ما يريد ابتياعه. و أعظم التجارات في القسطنطينية تجارة السّمّور و السمّور الأبيض «القاقم» و أنواع الفراء الأخرى و كلها ذات نفاسة تستلفت النظر.
و الأتراك ينفقون على ملابسهم أكثر من كل شعوب الدّنيا، فهم يستجلبون من أوروبا الملاحف و الحرير الأطلس، و تصدر الهند إليهم الشاش الموصلي و بلاد الفرس الشال الكشميري و أقمشة الحرير المطرز.
فالأغنياء يلبسون سراويل من الشاش السخيف واسعة فضفاضة جدا تستنفد من القماش ما يستنفده زهاء ستة أثواب [١]، و عمائمهم الّتي يسمونها «كافوك [٢] هي من الملاحف أيضا [٣] و لا يقلّ وزنها عن اثنتي عشرة ليفرة [٤] أو أربع عشرة و يطارقون بين أربعة أثواب أو خمسة كثياب العرب، أعلاها مزيّن بالفراء، و يلقون على أنفسهم زيادة على ذلك عباءة كبيرة، و خلاصة القول أنّ ملابسهم تكفي في أن تكون حمل حمار، و هم أيضا يتفادون
[١] قلنا: المبالغة ظاهرة في هذا القول. (المترجم).
[٢] هذا في اللفظ و هو في الكتابة «قاووق» و قد مامت الآن القاف من اللغة التركية في استانبول و نواحيها. (المترجم).
[٣] يعني من قماشها. (المترجم).
[٤] الليفرة «٥٠٠» غرام. (المترجم).