رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٨٣ - أبو طالب في فرنسا و باريس
و في باريس حمامات للنّساء خاصة من النوع الّذي ذكرته آنفا، و لا يخدمهن فيها إلّا نساء أيضا، و لعدّة من هذه السفن درجات مغطاة تؤدّي إلى النهر، و هي خاصة بالأشخاص الّذين يريدون أن يسبحوا و يعوموا، و عدّة أخرى منها لها قناطر قريبة من مؤخر السفينة، عليها منضدة وضعت عليها مرطبات للذين يحسون باشتهاء بعد الاستحمام أو يريدون أن يقعدوا ليتمتعوا بالمناخ المعتدل البرودة أو بالمنظر الرائق للكلاءات الّتي على شاطئ النهر.
و مقاهي باريس تفوت الإحصاء كثرة و تتميز جميعها على التقريب بالنظافة و الأناقة و الرونق، و لا يلتقي الإنسان فيها كما يلتقي عند الألمان و الهولنديين جمهرات من المدّخنين المستعشين الّذين كأنّهم لا يرون من كثرة الدخان المتكاثف الثخين المخدر، و يختلف إلى هذه في الأعم الأغلب، ألوف من رجال الجيش و أهل الأدب، و ينجذب إليها الشبان العاطلون و الشابات العاطلات إمّا للعب بالبليارد و إمّا للاطلاع على جريدة الأسبار الجديدة «المودات».
و قد كنت تعوّدت ما تصلحه المطابخ الإنكليزية من الطعام [١] حتّى لقد حرمت لذاذة المائدة دائما في أثناء إقامتي بفرنسا و إيطاليا، فاللحوم في المطابخ الفرنسية محرقة ميبسة، و اللحوم المسلوقة يبالغ في طبخها حتّى تصبح صليبة [٢] يعسر مضغها، و الفرنسيون يحبون اللحم المطبوخ مع الخضراوات حبا جما، و يحبون الثوم و التوابل [٣] و غيرها، و هذه الطريقة في الطبخ بعثتني غير مرّة على ترك موائدا عدّ لي عليها ثلاثون أو أربعون لونا، و قد نصب بالغ النصب في إعدادها، و كنت في الغالب التجئ إلى دور الإنكليز أو دور الأميركيين، لأطعم فيها، و كان منظر دكاكين الحلاوى و الكعك في فرنسا كافيا في إثارة الكراهية في نفسي.
و لما كنت في لندن كنت أسمع كثيرا من النّاس يقيمون النكير على ارتفاع أسعار البضاعة المختلفة، و يذكرون باستحسان رخصها في البلاد
[١] من أحب قوما أحب عاداتهم. (المترجم).
[٢] المعروف في إنضاج اللحم بالطبخ أنّه يجعله يتهرأ لا يتصلب. (المترجم).
[٣] و نحن نعجب من أبي طالب كيف لم يشبههم بالهنود في حب التوابل. (م).