رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٦٩ - وصف دبلن سنة ١٧٩٩ م
و مخازن الجواهر و الأشياء الجديدة، استلفتت اهتمامي، إلّا أنّ دكاكين الحلاوى و تجارة المأكولات كانت أشد استلفاتا من جميعها، ففي عامة الأيّام أخرج للتنزه بعد التصبّح، فأقضي ساعة واحدة في هذه الطرق الجميلة. و إذا أطل اللّيل أضيئت المدينة جميعها بمصابيح معلقة في كرات من الزجاج على سمك عشر أقدام أو اثنتي عشرة قدما، و هذه المضاوئ [١]، مضافة إلى أنوار الدكاكين الزاهرة تجعل الشوارع نيّرة كنورها في النّهار، و أحد هذه الشوارع فيه كثير من دكاكين الصيدلانيين الّذين عندهم كمية من أواني المواد المائعة الملونة فذكرني أنوار تربة الولي «إمام باره» في لكنو حين أوقدت في عهد آخر نواب [٢]: آصف الدولة.
لا يستطيع الإنسان أن يتصور منظرا أكثر غرابة من منظر هذه الجماعات من النّاس الّتي تطوّف، في كل منحى من المناحي، شوارع دبلن، و قد جعلتهم العادة جدّ بارعين في السير بحيث لا يتصادمون أبدا، و لم أستطع كتمان إعجابي بالفتيات الشواب اللواتي يجرين بين هذه الجماعات، إمّا لنشاطهن الطبيعي، و كلّهنّ لا يحسن في جريهن إنسانا، و يكاد الإنسان يحلف أنّه يرى فيهن فراشات ترفرف.
و في جميع مدن أوروبا عدد كبير من العرابات، فمنذ وصولي إلى دبلن إلى يوم سفري من إنكلترا إلى باريس أستطيع أن أقول إنّ أذنيّ ما فتئتا تصطكان من جلبة الخيل و العربات، و عدّة عربات الكراء الخاصة بخدمة دبلن «سبعمائة عربة» و هي لا تستعمل إلّا لنقل النّاس من شارع إلى آخر، و جميع السادة و الأغنياء، لهم عربات خاصة منهم ذوات فرسين و ذوات أربعة [٣] و ذوات ست، و الخيل ضخمة جدا و من نوع خاص، و تستعمل لكل أنواع الأعمال حتّى الحراثة، و لا يربى البقر في إيرلندا إلّا لأكل لحمه، و أذناب الضأن صغار و لكنّه لذيذ اللحم و الطير الداجنة جيدة اللّحمان أيضا.
إنّ في دبلن عدّة مربعات كبيرة و في كل منها فوّارة عليها قبة و الماء
[١] جمع مضوا من الضياء.
[٢] في الأصل نباب. (المترجم).
[٣] الفرس تذكّر و تؤنّث.