رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٢٤ - البريد في تركيا و دوره
توقعه عليهم الحرائق الكثيرة الوقوع، ثمّ إنّ الزلازل الّتي حدثت على هذه المدينة لم تهدم المساجد و لا العمارات العامّة الأخرى ممّا هو مبني بالآجر أو الحجارة.
و منازل الأغنياء تحتوي دائما على بهو واسع مخصّص بالاستقبال، و مجلس صاحب المنزل يكون بإزاء الباب و فيها شبابيك سيّئة الوضع في أصل البناء، لا تدع الضوء يمرّ إلى المثاوي إلّا قليلا، و حول القسم من أقسام الدار صفة سمكها قدم و نصف عليها مقاعد ثمينة ثخانتها ثلاث أصابع أو أربع، فإذا جلس الإنسان عليها على الطريقة الشرقية غار فيها حتّى ليعسر عليه جدا أن يغير موضعه بعد قعوده، و البهو مغطّى الوسط ببساط كبير، و إذ جرت عادتهم بأنّهم لا ينظفونه إلّا مرّتين في السنة و كذلك المقاعد و الوسائد وجد فيها البراغيث و الفسافس [١] ملجأ آمنا، و يظهر أنّ هذه الحشرات لا تزعج الأتراك أبدا و لكنّها تقدّم احترامها للأجانب الّذين يزورونهم [٢].
و في القسطنطينية خمسة مساجد عامّة [٣]، ذات هندسة عمارية جميلة، و مزخرفة بزخرف رائع فاخر إلّا أنّ جامع (أيا) صوفيا (سنت صوفي) يفوق بالسّعة و الجمال و الأناقة جميع ما رأيت من مآثر البنيان في رحلاتي، و إنّ البيعة الكبرى الّتي باسم القديس بولس «سنت بول» وقبب باريس و جنوة لا يمكن أن تدخل في موازنة بينها و بين هذا البنيان المقدّس، فباطن القبّة الكبرى فيه و هي الّتي جعلت وسطا للعمارة و مساحتها مائة ذراع مربعة، و تحيط بهذه القبّة عدّة فروع من الأبنية قائمة على أعمدة جميلة من الرخام السّماقي، و الرواق المطيف بصحن الجامع من الداخل يتسع لعدد وفير جدا من المشاهدين. إنّ هذا الجامع قد كان بني على عهد قسطنطين مؤسس القسطنطينية و أوّل القياصرة الّذين دانوا بالنصرانية. و قد تكامل بناؤه سنة ٣١٤ الميلادية، و قد اتخذ زمنا طويلا معبدا للنصارى ثمّ إنّ السلطان محمّدا جعله
[١] قلنا: الّذي اشتهر من حشرات الدور في استانبول هو المعروف عندهم باسم «تخته كاله سي» كبنات وردان الصغار. (المترجم).
[٢] هذا من الأسلوب التهكمي لأبي طالب. (المترجم).
[٣] يعني جوامع تصلى فيها الجمعة.