رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٥٦ - أبو طالب في قره تپّه
الأجانب أقبح استقبال، و يقدّمون إليهم طعاما رديئا متبّلا بالشتائم في الغالب [١]، و يعدّون لهم أكاديش مجاعة يشرّفونها بإطلاق اسم «الخيل» عليها. و قبل فصولي من قره تبّه أردت أن أرى هذا المستوفي الصالح [١]، لألومه على وضاعته فذهبت إليه فاغتاظ منّي و غضب غضبا شديدا، و قال لي: «إنّي كنت حريا أن أستحييي من أشكو من طعام يقدّم إليّ مجانا».
فقلت له: «أنا ما أشكو لنفسي فقط بل للأجانب الّذين يأتون بعدي و أنت الّذي ينبغي له أن يخجل لا بتزازه من موظفي البريد قوتهم باستيلائه على العوض الّذي تقدّمه الدولة، و إجباره الفلاحين على أن يفتقروا، و لإساءته معاملة المسافرين».
و باليوم التاسع و العشرين منه سرت ستة و ثلاثين ميلا، و في الثلاثين منه مررت بقرية صغيرة تسمّى «دوخلة [٢]» و في الأوّل من شوال (١٢١٨ ه) أي السابع و العشرين من كانون الثاني سنة ١٨٠٣ م وصلت إلى بغداد و قد قدرت المسيرة الأخيرة باثنين و ثلاثين ميلا، و احسب أنّها أربعون ميلا بلا تقريب، و مع ذلك كانت خيلنا جد رديئة، و المناخ جدّ رديء بحيث استطلت الطريق و لم يكن طويلا في الحقيقة. و كل الأرض الّتي بين دوخلة و بغداد ماهي إلّا سهل كثير الانفساح لا دار فيه و لا شجرة، و الطرق فيها لا يمكن سلوكها لضنوكها، و كان معي ستة أفراس لي و لأثقالي، و كانت طليحة [٣] كل الطلاحة حتّى لقد اضطررت أن أسير على قدميّ في قسم كبير من الطريق مع ما كان من عصف الريح و رشقها وجهي بالمطر، و من حسن حظي أنّي وجدت في ربض بغداد موضع بريد و فيه بدلت الخيل و ذهبت بعد ذلك إلى القنصل الإنكليزي المستر «جونس». و إنّ من الغرابة بمكان مبين أن تكون طرق مدينة كبيرة كبغداد من حيزها إلى مسافة أربعين ميلا على هذه الحال من الرداءة و العسر على السائحين، و لو كنت سرت ليلا و ضللت الطريق لهلكت في وسط الطين و الردغات من غير شك، و ذلك هو المصيبة الّتي تقع في كل سنة بالتقريب على
[١] و هذا من أسلوب أبي طالب التهكمي الّذي تقدّمت منه نماذج. (م).
[٢] قرية لا تزال عامرة قائمة على دجلة في الطريق الشرقي من بغداد إلى الخالص الأعلى و قد ورد ذكرها في التاريخ الغياثي لعبد اللّه بن فتح اللّه البغدادي. (المترجم).
[٣] طلحت الدابة طلحا و طلاحة تعبت و أعيت. (المترجم).