رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٥٩ - مساوئ الإنكليز
كل يوم، فالتاجر بياع الجمل، و بياع التفاريق يسرعان إلى تقليدها. و على هذا لن تكفي أرباح التجارة أبدا في سدّ نفقاتها الجنونية، و ينبغي لهما البحث عن وسائل مالية لسدّ العجز، فيستعينان بالغش و الخداع، و يتعودان الإجرام، و ينتهي الأمر إلى أن لا يخجل الواحد من السرقة في الطرق العامّة. إن أحط طبقات الشعب، على حسب دورهم، تدهورهم هذه القدوة السيّئة فيحل من نفوسهم الإسراف و الفجور محلّ المهارة و العمل، و بهذا ترتكس النظم و تنتكس الحكومات. و إن تصل العقلية المشؤومة إلى الوزارة فإنّ بيت المال سيبتلع، و الطرائق المحرّمة ستتبع عند الوزراء، و لا شيء أسرع من هذا لخراب الدولة جمعاء.
و قد أنفقت الدولة الفرنسية مبالغ عظيمة، قبل الثورة [١]، على العمارات العامّة و الحدائق و الإضاءة و غيرها، و كان الجيش البري و الجيش البحري، موضوعين لرقابة اقتصادية شديدة في الإنفاق، و كان الأشراف يتباهون بالتجمّل الشامخ، و الطبقات الدّنيا، بالعكس، تقاسي جميع أنواع الضيق و شدائد الشقاء، فأدّنهم موازنتهم لحالهم بحال الأشراف إلى نفاد صبرهم، فانضمّوا إلى العصاة، هذا هو تاريخ الثورة الفرنسية بكلمات وجيزة، فليوقن الإنكليز أنّ التجمّل و التبذير قد دمّر من الممالك العظيمة أكثر ممّا دمّرته الحروب، و هذه الرذائل إذا استشرت تحدث الحسد و الاضطراب و البغضاء، و إنّها تهيج الشعوب و قد أسقطت الإمبراطورية الرومية و الدولة المغولية في الهند.
و العيب الثاني عشر هو الاحتقار الّذي يتظاهرون به لعادات الأمم الأخرى و التفضيل التام لعاداتهم عليها، فالإنكليز الّذين رافقتهم في السفينة «بريتانية» أثبتوا أنّهم ملاء من ذلك الحكم البمتسر [٢] على أخلاق الأمم، فسراويلي الفضفاضة و فضالي [٣] للنوم لم يكونا في نظرهم- مهزأين- أقلّ منهما- عديمي الفائدة،
[١] قلت: أوّل هجمة هجمتها الطيارات الألمانية على باريس في الحرب العامّة الأخيرة لم تلق فيها أي قنبلة من القنابل بل ألقت ألوف نسخ من كتاب يثبت أنّ الثورة الفرنسية قامت بتحريض اليهود و أموالهم لإثبات حقوقهم و تمكينهم في البلاد. (المترجم).
[٢] المبتسر هو المأتي قبل وقته و نضجه.
[٣] الفضال بوزن كتاب و المفضل و المفضلة: الثوب الّذي يستعمله الإنسان للنوم و أحيانا لغيره و هو يقابل ما يعرف في عصرنا بالبيجاما: الكلمة الهندية.