رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٥٦ - مساوئ الإنكليز
ساذجا، و حافظوا على لحاكم و اعفوها و اقصروا ساعات الطعم و الشرب و النوم».
و من عيوبهم (و هو العيب السابع) و لعهم بالتجمّل العام فانظر إلى أدوات مطابخهم و أثاث مثوياتهم الغالي الأثمان، و خزانات أدوات طعمهم مملوءة من مصوغات الفضة، و موائدهم تنوء بالغضار و البلور الصناعي الثمين، و سراديبهم مشحونة أنبذة مجلوبة من كل جزء من أجزاء الأرض، و حدائقهم العامّة وافرة و حياض الأسماك في دورهم و قصورهم، فهذا كله لا يستعمل إلّا لإثارة أولاعهم، و ما أكثر ابتعادهم عن فهم ما قال بعض شعرائهم [١]:
يريد بنو الإنسان أكثر ما رأوا* * * من المال و الدّنيا كثير قليلها
فلا تطلبن المزعجات فإنّما* * * لك الخير في دنيا قصير مقيلها
إنّ الشهوات مصدر عامّة الأمراض الاجتماعية، فهذا تاريخ العرب و تاريخ التتار فيهما عبرة لمن اعتبر، إنّ هاتين الأمّتين لم تكونا قد بلغتا فتوحهما الواسعة بكثرة رجالهما و لا بوافق أسلحتهما على أعدائهما، فلم تكن الأسلحة إلّا قسيا و سهاما و سيوفا، و لكنّهما بلغتا ذلك بمعرفتهما تحديد مآربهما و حاجاتهما، فإنّ رجالهما لما كانوا مستعدين دائما للقتال اجتزؤوا بأجشب طعام و كان طعام الجند كطعام القائد، و كل نفقاتهم كانت مقصورة على أشياء قليلة، فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صهر النبيّ، كان قبل أن يخرج إلى الحرب يأمر بأن يخبز له من الشعير ما يكفيه عشرين يوما، و يحمل هذه الرغفان على جمله و يأكل منها كل يوم رغيفا بعد أن يبلّه بالماء، و هذا كل طعامه، و قد لامه أصحابه على هذه القناعة المتناهية، و حرضوه على اتخاذ طعام آخر فقال لهم و هو المخلص لربه: «إنّ وقتي
[١] ممّا ترجمته من الإنكليزية إلى العربية، لأنّ المترجم الفرنسي لم ينقله إلى الفرنسية نثرا.
(المترجم).