رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٣٣ - من عادات الأتراك و رسومهم
سنة، و هذه الإقامة الطويلة في هذه البلاد لعلّها أفقدته ذكرى لطف الإنكليز و ظرافتهم [١]، فإنّه عاملني برياء و مراوغة مفضوحة، مثال ذلك أنّي رجوت منه أن يجد لي «شوبور» أي دليلا يدلني في رحلتي بأجر معلوم في هذه البلاد، و هو كما علمته إذ ذاك «مائة و خمسون قرشا» أو مائتا قرش، غير أنّ المستر توك أكّد لي أنّه ما من دليل موثوق به يرضى القيام بالدلالة بأقل من أجرة مقدارها ألف و خمسمائة قرش و ذلك أنّ نفقات السفر الضروريه ترتفع عدّتها إلى ألف قرش و إنّ هذه الزيادة و هي خمسمائة قرش ليست إلّا مكافأة عادلة لتعبه و مشقته، فهذه النصائح الصادرة عن طمعه بما فيه الكفاية من الوضوح بعثتني على أن أتوجه إلى وزراء الترك ليجدوا لي دليلا من العامّة، و هو الّذي فعلوه لي و سنرى بعد ذلك هل لي أن أهنئ نفسي بذلك؟
و قد تهيأت لي فرص متواترة لأن اتصل بالمستر «بوزاني» ترجمان السفارة الإنكليزية و هو يوناني، و يربح مالا كثيرا من وظيفته فكل الإنكليز الّذين يسيحون في تركية هم تحت إدارته على الإطلاق [٢] فجهلهم لغة البلاد يجبرهم على أن يستعينوا في جميع شؤونهم إمّا به و إمّا بوكلائه فتسلخ جلودهم أحياء [٣]، و ما أدري إلام أعزو سيماء بوزاني الحمقاء الّتي كان يلقاني بها أ إلى الغم الّذي أصابه من خيبة آماله الّتي أملها منّي أم إلى سيرته الّتي هي النتيجة الطبيعية المجردة للحقد الّذي يحقده اليونانيون على جميع المسلمين؟ فقد صار هذا الرجل عدوّي الأزرق، و قبل سفري سارّ دليلي بكلمات لم أشكّ في أنّها حثّه إيّاه على الاستهانة بالوصايا الجزيلة و الأوامر اللازمة الّتي أدّاها إليه اللورد «إيلكن» و الوزير أحمد أفندي في رعايتي.
و لقد سرّني كثيرا و أحبرني التعرّف إلى المستر «هامر [٤]» هو شاب
[١] نسي أبو طالب مساوئ الإنكليز الّتي عددها و ذكرها في رحلته. (م).
[٢] هذه الجملة غامضة المعنى بالنسبة إلى سياق الرحلة لا إليها هي نفسها فهل هؤلاء أدلاء؟ فقد أراد أنّهم منقادون له.
[٣] و هذا أيضا من الأسلوب التهكمي لأبي طالب، و هذا التعبير مألوف في اللغة العامية العراقية «يصلخ جلده». (المترجم).
[٤] هو «هامر بوركستال» مستشرق ألماني و مؤرخ ولد في كراتز سنة ١٧٧٤ م و توفي في فينة سنة ١٨٥٦ م، ألف كتاب «تاريخ الإمبراطورية العثمانية».