رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٣٢ - من عادات الأتراك و رسومهم
بغداد في هذا الفصل مشدودا دائما بالثلج، فلم يكن همّي إلّا متابعة سفري في أقرب وقت، ثمّ إنّ الأتراك يحقدون على الفرس حقدا لا يرجى خموده بسبب حروبهم القديمة و اختلاف مذاهبهما، حتّى ليعتقدون إباحة سفك دمائنا، و كنت ممقوتا في أنظارهم و لربّما كان من الصواب أن أغيّر ملابسي، و لكنّي لم أنو التوقف في القسطنطينية، إلّا قليلا بله كراهتي الشديدة للثياب المرسلة المسدولة غير الملائمة الّتي يلبسها الأتراك، فلذلك لم التفت إلى ذلك، و لم أتحرّز قطّ من سيرهم الرديئة، هذا و إنّ الصفة الّتي أفتخر بها و هي أنّي من سلالة النبي محمّد ٦ [١] جعلتني أحسب أنّ أشراف الأتراك يبدؤونني بالزيارة ليقوموا بالواجب عليهم، على حين جعلهم غرورهم الّذي أوحاه إليهم ثراؤهم الفاحش و مناصبهم الّتي بلغوها يحسبون الأمر بالضدّ ممّا كنت أحسب، أعني أنّ من الواجب عليّ لهم أن أزورهم.
و لكني أستعيض بعض الاستعاضة من قلّة احتفال العثمانيين بأمري بأنّي عقدت صلات اجتماعية مع كثير من الفرس و الهنود و الأرمن، فالفرس كانوا في الغالب رجالا مثقفين تثقيفا علميا أو أتقياء جلبهم حب الدراسة و ارتباطهم في القسطنطينية، و الأرمن كانوا يقيمون في ربض غلطة من المدينة، و أكثرهم مقبلون على التجارة، و قد جاؤوا من حلب و توقات و أماسية و المدن الأخرى التابعة للسلطان، و لغتهم خليط من التركية و الأرمنية و كثير منهم قد جمع ثروات جسيمة، و لكن البخل إحدى رذائلهم المسيطرة على نفوسهم [٢]، فليس عندي ما يحملني على شكر ضيافتهم البتة، و مع ذلك فقد دعيت مرّة أو مرّتين إلى اجتماعاتهم المسائية، و وجدت فرصة لأن أرى فيها عدّة شابات أرمنيّات، و منهن من ظهر لي أنّهنّ جميلات.
و المستر «توك» وكيل الشركة الهندية في القسطنطينية، أقام فيها منذ أربعين
[١] قلت: و هذا تحول ثان في سيرة أبي طالب فقد ذكرنا في ترجمته قوله في رحلته هذه: «كان والدي يسمّى الحاج محمّد بك خان و كان تركي الأصل و لكنّه ولد بأصبهان» فكيف صار أبو طالب من سلالة النبي ٦» و لعلّ والدته كانت علوية و لكن ذلك لا يجعله من السلالة المذكورة و إن كان الابن يرث من أمّه أكثر صفاتها الجسدية كما نرى. (المترجم).
[٢] جرب أبو طالب بخل الأرمن في مدينة «ليفورن» بإيطاليا، كما مر في رحلته. (المترجم).