رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ٢٣١ - من عادات الأتراك و رسومهم
فأجبت دعوته في الحال، و كان لي كل مجال لأن أتمدح بهذا اللقاء، فلسيادته سيّما روحانية لا مثيل لها، و له أجمل هيئة رأيتها و أقول: لا أسلوب أظرف من أسلوبه و لا أحيا و لا أبهى من محادثته، و حين حل وقت انصرافي أمر أحد رجال حاشيته بمصاحبتي إلى جامع أيا صوفيا و إراءتي جميع المواضع المقدّسة المحبسة باسم الدّين، و كذلك المباني العامّة في القسطنطينية.
و بعد أيّام حصل لي الشرف بالمثول بين يدي الإمبراطور: السلطان سليم- أدام اللّه سعادته أبد الآباد- فقدّمت احترامي لجلالته بترجمة فارسية للقاموس، و هو معجم لغوي عربي مشهور، في مجلدين، و إذ كان هذا الكتاب نادرا جدا، و لقيت نصبا كثيرا بإصلاحه و كلّفني الحصول عليه مبلغا من المال غير قليل، ثمّ إنّ الأتراك قليلو التحصيل العلمي إلّا أنّهم معجبون باللغة الفارسية غاية الإعجاب طلبت إلى جلالته التفضل بطبعه بالطباعة الآلية، فيكون جدّ مفيد لرعاياه، و رجوت أيضا من السلطان أن يأمر بالإشارة في مقدّمة المطبوع إلى الطريقة الّتي بلغ بها هذا الكتاب القسطنطينية، فأجابني السلطان إلى طلبي ملطفا متفضلا، و أمر بأن يكتب أمر بذلك و أمضاه بعلامته هو نفسه بخطه ثمّ سلّم الكتاب إلى خازن كتبه، و أمر بأن تخلع عليّ خلعة و أن أقبل في الوقت نفسه هدية جليلة جميلة، و لكني أعلمت جلالته أنّي بحملي هذا الكتاب إلى القسطنطينية لم أرد إلّا مأربا إنسانيا بحتا، و أوجز القول بأنّ هذا العمل من جهتي أريد به خيرا أجزى به في الآخرة، و لن أطوّح بآمالي من أجل هذه الدّنيا، ابتغاء الزهو فيما فعلت [١]، فتبسّم السلطان، و أعرب لي عن رغبته في أن يراني ثانية قبل مغادرتي عاصمته.
و لما كانت إقامتي في القسطنطينية لم تدم أكثر من شهر واحد في الأكثر لم يكن لي إلّا اتصال قليل بأشراف الأتراك، بل لم تكن لي صلات بالوزراء و الموظفين الكبار الآخرين في السلطنة إلّا من حيث صفتهم و هي الوظيفة الشعبية، و السبب في ذلك أوّلا قرب حلول الشتاء و كون طريق
[١] هذا تحول فاجيء في سيرة أبي طالب لم نجد له أثرا فيما مر من رحلته، و لعلّ سيرة الأتراك أثرت في نفسه. (المترجم).