رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٨٥ - أبو طالب في فرنسا و باريس
معرضون في كل هنيهة لخطر الدوس و الدعس و لذلك لا يود أحد البتة أن يتمشى متفرجا في شوارع باريس لا نهارا و لا ليلا.
و بإزاء ما ذكرت من المصاعب في باريس نجد فيها مخارف [١] جميلة للتنزه يسمونها «بولفارد»، و هي تحف بالمدينة بدورة طولها عدّة أميال، و هذه المنازه تنقسم ثلاثة أقسام: الوسط و عرضه خمس و عشرون ذراعا، و هو خاص بالخيل و العربات و الجانبان للمشاة و أربعة صفوف من الشجر تحادّها من أولها إلى آخرها، و تحافظ على اعتدال المناخ بظلالها، و قد نصبت تحت الصفين الخارجين منها مناضد كثيرة، وضعت عليها مرطبات و فواكه و لعب أطفال و أشياء أخرى لطيفة [٢]، و فيما ذكرت يجد التاجر الصغير رزقه على النحو الّذي ذكرت فلا يترك هذا الموضع إلّا باللّيل، و يرى الرائي دكاكينهم الخشب تحف بها دائما جمهرة من المبتاعين و المتفحصين لأنّهم يبيعون بأرخص ممّا يبيع تجار الدكاكين داخل باريس.
و في باريس موضع يجتذب ذوق الفرنسيين أكثر من غيره هو القصر المليكي «الباليه رويال» و كان هذا الموضع قبل الثورة مستقر «دوق دورليان» و فيه حديقة مربعة [٣] طولها خمسمائة ذراع، و عرضها مائتا ذراع، و مقسمة على ممرات مرملة [٤] تظللها أشجار كثيفة و في وسطها بستان قد زانته الأزهار و الأشجار، و هذا البستان يفتن الإحساس بألطف طريقة، و في نهايتي الحديقة عمارتان فخمتان شامختان طول كل منهما ستون قدما و عرضها ثلاثون و هما مفتوحتان من الوسط و مسندتان إلى أساطين من الحجارة المهندمة، و الداخل يحتوي على خمس و عشرين مقهاة [٥] جميلة،
[١] جاء في القاموس «خرف الثمار ... و كمرحلة: البستان و سكة بين صفين من نخل يخترف المخترف من أيهما شاء و الطريق اللاحب». و قد استعرنا المخرفة و جمعها لهذه الشوارع الواسعة المشجرة. (المترجم).
[٢] أي صغيرة. (المترجم).
[٣] في الأصل «مربعة» مع أنّ وصفها يدلّ على أنّها من شكل المستطيل. (م).
[٤] مفروشة بالرمل. (المترجم).
[٥] المقهاة موضع القهوة، قياسية لأنّ العرب صاغت للموضع الّذي يكثر فيه الشيء اسم «مفعلة».
(المترجم).