رحلة أبي طالب خان إلى العراق و أوروبة - أبو طالب بن محمد الأصفهاني - الصفحة ١٢٤ - سير الإنكليز
إنّ الحاكم «هاستينكز» جاءني زائرا في حين تزويق باب المدخل من داري، و كان المزوّق قد جمع أتوار التزويق الملونة و «فرشها» على مرقاة من درج الدار، لينصرف بعد إتمام العمل، فلم ينتبه الحاكم للتزويق اللعين و رفع مطرقة الباب و وسخ بالأصباغ قفازيه و كانا جديدين قشيبين، فالتفت إلى المزوق غاضبا بفظاظة و سأله بصوت عنيف لماذا لم يحذره و لم يعلمه أنّ صفحة بابي قد زوقت قبيل إتيانه، فأجابه العامل بعنف ذلك الصوت قائلا: فيم تستعمل عينيك إن لم تر ما هو بإزائك و تجاهك؟ فأضحك جوابه المستر «هاستينكز»، و في دخوله إليّ أخبرني بحادثه الغريب، فهذان الخبران الطريفان يكفيان في أن يصورا لقراء كتابي الحرية الّتي يتمتع بها الشعب في إنكلترا، و تكون هذه الحرية أحيانا ممسوخة إلى إباحة و حشية و تحلل جاف، و لكن المقننين الإنكليز يرون أنّ هذه الحرية المفرطة لا تؤدّي إلّا إلى شجاعة الأمّة.
و في إنكلترا أيضا ليس للسيد أن يعاقب هو نفسه عبده مهما كانت جريمته، و لا يستطيع إلّا طرده، ثمّ محاكمته إلى القاضي باسطا له شكواه، و الخدم الإنكليز يأخذون جرايات جليلة جدا، و يطعمون طعاما حسنا، و ينامون على فرش و سرر جيدة، لا على أرضيات الحجر كما ينام الخدم في بلاد الهند، و يكون لباسهم في الغالب أجود من ملابس سادتهم الّذين يفضلون في الأعم الأغلب الجوخ الساذج، على حين أنّ خدمهم تلمع ضفائرهم، و لا يوجب عليهم الحفد على أرجلهم وراء سادتهم كما هو العادة عندنا نحن الهنود، حين يتنزه السادة فرسانا، و إنّما يمتطي الخادم فرسا إذا كان سيّده ممتطيا و يسير وراءه، فإن كان السيّد في عربة فالخادم معه في موضع منها أمام أو خلف، و في الصحف اليومية يسخر ناس بجراءة الطبقة المنحطة من الّذين يعلونهم في مراتب المجتمع أو يطعنون عليهم، و في اجتماعاتهم الشعبية حتّى مواضع التفرج يحدث أن يصفروا عليهم و يسبّوا كل شريف أو ظريف لا يعجبهم أو لم ينل مودّتهم و الصور المسخيّة [١] «الكاريكاتورية» هي متعة أخرى للعوام، فإنّهم يوجهونها في
[١] أي السخرية. (المترجم).