ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٧٦ - المطلب الثالث تأثر ابن ميمون بالغزالي
الكلام في معالجة دقائق التصوف دون إهمال المادة الفقهية و الأصولية في التأصيل الشرعي للعلوم القلبية، سعيا منهما إلى إحياء علوم الدين بروح الدين، و هو الإخلاص. ناهيك عن وصفهما الرائع و العميق للنفس الأمارة بالسوء، و النفاذ إلى أغوارها بحثا عن مكامن الداء فيها. و لا جرم أن هذا الاشتراك بين الرجلين يوحي بتأثر اللاحق بالسابق.
و يعتبر ابن ميمون أن العجب و الرياء هما أصل الأمراض القلبية، و أمّ الأخلاق الشيطانية، و كذلك الغزالي، فقد اعتبرهما «آفة عظيمة»[١]، و أنهما «الداء العضال»[٢]، و هما «جهل محض»[٣]، و «من أمهات خبائث القلوب»[٤]، و اعتبر الرياء «أقوى الأسباب المشوشة للإخلاص»[٥]، و قال: «و العجب أعظم من كل ذنب»[٦]، و بعد أن نقل حديثا نبويا في ذم العجب علق عليه بقوله: «فجعل العجب أكبر الذنوب»[٧].
و هذه المعاني حاضرة بوضوح في كتب و رسائل ابن ميمون.
و يرى ابن ميمون أن حب الدنيا من فروع شجرة العجب[٨]، و هو مقارب لما قاله الغزالي من أن العجب ذو «مغرس واحد، هو حب الدنيا»[٩].
و فرق ابن ميمون مرارا و كرارا في رسائله بين نار جهنم و نار البعد و الجفاء عن اللّه، و أن الثانية سبب للأولى و أدهى و أمر منها، و يفرق بين نعيم الآخرة و نعيم معرفة اللّه، و أن الثانية سبب للأولى و أفضل منها[١٠]. و هذا هو عين مذهب الغزالي[١١].
و من مظاهر تأثر ابن ميمون بالغزالي تشابه المعجم الصوفي المتداول في كتبهما، و لبيان ذلك نذكر بعض الأمثلة:
[١] -منهاج العابدين: ١٧٧.
[٢] -بداية الهداية: ٧٢.
[٣] -المصدر السابق: ٧٣، و أيضا كتاب الأربعين في أصول الدين: ٩٨.
[٤] -بداية الهداية: ٧٦.
[٥] -منهاج العابدين: ١٦١.
[٦] -الإحياء: كتاب ذم الغرور: ٣/ ٤٣٥.
[٧] -الإحياء: كتاب ذم الكبر و العجب: ٣/ ٣٩٠.
[٨] -انظر بيان غربة الإسلام: صفحة ٥٢.
[٩] -بداية الهداية: ٩٦.
[١٠] -انظر بيان غربة الإسلام: ٨٣- ٨٤ و ٩٦، و انظر أيضا رسالة الإخوان من أهل الفقه و حملة القرآن».
[١١] -انظر معارج القدس: ١٥٩، و جواهر القرآن: ٧١- ٧٢ و ٨٠- ٨٣، و كتاب الأربعين: ١٥٥- ١٥٧، و منهاج العارفين: ٦٨، و المضنون به على غير أهله: ٩٨، و ميزان العمل: ٢٠.