ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٩٣ - نص الرسالة
نعوذ باللّه من شرها، و هو أيضا عين الشرك، أي ادّعت الشّركة في الملك و خالق الملكوت و الملك. و دعوى الشركة عين دعوى الكبرياء و العظمة، و قد قال تعالى في بعض كلامه القديم: «الكبرياء ردائي، و العظمة إزاري، فمن نازعني أحدهما فصمته في النار»[١].
فإذا كان ذلك كذلك فأي عبادة تصح مع وصف العجب و الرياء؟! فكل قلب يكون موصوفا بهما لا يمكن أن يوجد فيه الإخلاص المشترط في القرآن على العبد في عبادته، لأن المحلّ الواحد لا يجتمع فيه الشيء و ضده، هذا باطل محال، كما لا يجتمع العلم مع الجهل، و النور مع الظلمة، إلى غير ذلك من الأضداد. و الفرض أن العبد ليس له إلا قلب واحد؛ قال اللّه تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: الآية ٤].
و معلوم أن الشيطان إنما يوسوس القلب بدليل الكتاب و السنة. أما الكتاب فقوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) إلى أن قال: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) [النّاس: الآيات ١- ٥]. و أما السنة فقوله صلى اللّه عليه و سلم: «الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، إذا ذكر اللّه خنس، و إذا غفل التقمه»[٢].
فالقلب هو سر العبد، لأنه محلّ خطاب اللّه تعالى، و محلّ إلهامه و الفهم عنه، و محلّ نظره، لقوله عليه الصلاة و السلام: «إن اللّه لا ينظر إلى صوركم، و لا إلى أعمالكم، و إنما ينظر إلى قلوبكم»[٣]،
[١] -رواه الحاكم في مستدركه، كما رواه- مع اختلاف في بعض اللفظ- مسلم و ابن حبان في صحيحيهما، و أبو داود و ابن ماجه و القضاعي في مسنده، كلهم عن أبي هريرة، و رواه الحكيم الترمذي عن أنس( انظر المقاصد الحسنة: حديث ٧٩٤، ص ٣٧٠، والمغني: كتاب ذم الكبر و العجب، ٣/ ٣٥٥ و ٣٥٦)، و البزار( انظر دليل الفالحين: ٣/ ٧٤)، و أحمد في المسند، و رمز إليه السيوطي بالصحة( انظر الجامع الصغير: حديث ٦٠٣٣، ٢/ ٣٧٥).
[٢] -رواه الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك مرفوعا بلفظ:« الشيطان ملتقم قلب ابن آدم»( انظر نوادر الأصول: ٤/ ٣١- ٣٢)، و نقله الغزالي في« الإحياء» بلفظ:« إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم»، و علق عليه العراقي بقوله:« أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب مكائد الشيطان و أبو يعلى الموصلي و ابن عدي في الكامل و ضعفه»( المغني كتاب شرح عجائب القلب، ٣/ ٣١).
[٣] -أخرجه السيوطي بلفظ:« إن اللّه تعالى لا ينظر إلى صوركم و أموالكم، و لكن إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم»، و رمز إليه بالصحة بعد أن عزاه إلى مسلم و ابن ماجه عن أبي هريرة( انظر-- الجامع الصغير: حديث ١٨٣٢، ١/ ١١٤، و انظر أيضا نوادر الأصول: ٤/ ٩٥)، و نقله الغزالي بلفظ:« فإني لا أنظر إلى صوركم و لا إلى محاسنكم، و لكن أنظر إلى قلوبكم»( انظر المواعظ في الأحاديث القدسية: ص ١٠٠).