ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٨١ - المطلب الأول توثيق الرسالة
بقلوبهم[١]، لا بألسنة أفواههم، يكون لسان القول في قوله ترجمان قلبه، و يكون المستمع بأذني قلبه، لا بأذني رأسه. فإن من أحدث السماع في السلف الصالح ما أحدثه إلا بسبب حاله، تعرّف له فيها محوّل الأحوال، و فهم فيها عن ربه تعالى إباحة ذلك، لأن ذلك لم يكن في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و لا زمن الخلفاء الراشدين، و لا روي عن واحد من الصحابة أنه تخلق بذلك. فإن مقام الصحابة لم يصل أهل الأحوال الذين تعرّف لهم به بما ذكر. فمقامهم دون مقامات الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين. فكانت تلك الأحوال قاصرة على أهلها، و أهلها ما دعوا أحدا للتخلق بها، فإنها ليست طريق التربية. فالتربية الأهلية هي التي ربى بها نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم بالكتاب و السنة و شكوى الخاطر التي هي أسباب السؤال المأمور به بالكتاب و السنة حسبما هو معلوم ...»[٢].
المبحث الثاني توثيق الرسالة و وصف نسختيها
و القول فيه يكون برسم مطلبين:
المطلب الأول: توثيق الرسالة
إن الكلام في هذا المطلب منوط بإيجاد حل الإشكالات التاريخية التالية:
أ- نسبة رسالة «بيان فضل خيار الناس» إلى ابن ميمون.
ب- تاريخ تأليفها.
ج- مكان تأليفها.
د- الظروف التاريخية و الملابسات الذاتية الكامنة وراء تأليفها.
و الإشكال الأخير يسهل رفعه، فقد أشرنا في صدر هذا التمهيد إلى أن ابن ميمون كان قوّالا للحق، لا يخاف في اللّه لومة لائم، و أنه كان لا يألو جهدا في إحياء السنة و إماتة البدعة. و إذا أضفنا إلى ذلك أن القرن العاشر بلغ غاية قصوى في الانحطاط الديني و التخلف الفكري[٣]، و ربطناه بالسياق العام للرسالة الذي تلوح منه
[١] -في الأصل: بقولهم.
[٢] -بيان غربة الإسلام: الصفحتان ١٠٤- ١٠٥. و من المتصوفة الذين وافقوا ابن ميمون في ذلك الإمام السيوطي( انظر الأمر بالاتباع و النهي عن الابتداع: ١٠٦- ١٠٧).
[٣] -يؤكد ذلك تبرّم أهله منه، مثال ذلك قول ابن عراق في معرض كلامه على إمامة الصلاة:-« و الأفضل أن يكون الإمام تقيا و رعا زاهدا حسن الصورة و السيرة، و الصوت و السريرة. فمن اجتمعت فيه هذه الصفات فهو المطلوب، و لكنه عزيز الوجود، سيما في هذا القرن العاشر، نعوذ باللّه مما فيه، و من شر أنفسنا و شر أهله»( مقدمة أصول القواعد و الأركان: مخطوط محفوظ في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم« ١٢٠٧ د»، ورقة ٤٦ أ). و قال السيوطي:
« ... فكيف لو رأوا ما أحدثوا في هذا الزمان فيه من الزيادات القبيحة»( الأمر بالاتباع و النهي عن الابتداع: ٣٣)، و ألف الشعراني كتابا في هذا الصدد و سمّاه ب« تنبيه المغترين أواخر القرن العاشر على ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر».