ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ١٠٤ - نص الرسالة
فيا عجبا كيف يصدّق ذو عقل هذا النقل المفضي إلى الكفر في حق أفضل الصحابة. فإن الإجماع منعقد على أن أبا بكر الصديق أفضل خلق اللّه بعد رسول اللّه، و علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- رابع الخلفاء الذين انعقد الإجماع أيضا على أنهم أفضل[١] الصحابة أجمعين، و هم أبو بكر و عمر و عثمان و علي، و إليهم الإشارة بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ»[٢].
فانظر في سرّ قوله عليه الصلاة و السلام: «عليكم»، و لفظة «عليكم» تقتضي الوجوب، و في قوله: «الخلفاء»، فسماهم «خلفاء»، و استخلفهم على ما جاء به لخلق اللّه عن اللّه، و هو الوحي، و في قوله: «راشدين»، أي هادين، و الراشد: الهادي، و منه المرشد.
و هذا من معجزاته عليه الصلاة و السلام، أخبر في حياته بمستخلفين من بعده، و شهد لهم بالكمال التام، و حلّاهم بحلى الكرام.
فأما «الحلى» فقوله عليه الصلاة و السلام: «الخلفاء الراشدين»، فحلّاهم بالخلافة و الرشد، و ذلك شهادة منه لهم، فطوبى لهم، ثم انظر ما يندرج تحت الخلافة و الرشد من معاني الكمال التام.
و أما شهادته لهم بالكمال التام؛ فمن ذلك قوله عليه الصلاة و السلام: «و سنة الخلفاء الراشدين»، فنسب إليهم السنة، لعلمه أنهم يسنّون من بعده سننا مبنيّة مؤسّسة على ما علّمهم و أدّبهم به من العلوم التي جاء بها من ربه تعالى.
فهذا غاية الشرف في هذه النسبة، و غاية الكمال، لأنه أنزلهم منزلته في كل الأمور، و من ذلك ما روي أنه عليه الصلاة و السلام صعد على جبل أحد يوما، فاهتز الجبل، و قال له عليه الصلاة و السلام: «اسكن أحد! فإنما عليك نبي و صدّيق
[١] -خ: الخلفاء المجمع على أفضليتهم( و هنا يبدأ النقص الثالث الحاصل في« خ»، حيث قال الناسخ:« إلى أن قال أيضا»).
[٢] -رواه أبو داود في سننه، و الترمذي في جامعه و صحّحه، و ابن ماجه من حديث العرباض ابن سارية( انظر المغني: الشطر الثاني من كتاب الفقر و الزهد، ٤/ ٢٤٨)، و رواه- مع اختلاف في بعض اللفظ- أبو شامة في« الباعث على إنكار البدع و الحوادث»( انظر الصفحة ١٤)، و قال فيه ابن عبد البر:« روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم بإسناد صحيح»( جامع بيان العلم و فضله: ٢/ ٩٠).