ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٩٧ - نص الرسالة
فإذا كان الأمر على هذه الصفة، و المصلي جاهل بهذه الأمور و هذه الصفات، و لا يحسن أن يفرّق بين مفسد على الإطلاق و غيره، و جاهل بالمداواة و المجاهدة، و هي مقابلة كل مقام بما يليق به من المدافعة المؤهل بسببها إلى نيل المدد المطلوب، و هو الإخلاص المشترط على العبد في عبادته في صريح قوله تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البيّنة: الآية ٥].
كيف يكون خلاصه في عبادته من عدوه القاعد له على الصراط المستقيم، الجاثم على قلب ابن آدم؟
لا يمكنه ذلك إلا بالعلم، و لا يمكن العلم إلا بالمعلّم. هكذا اقتضت حكمة الحق تعالى. أصل ذلك بعثه تعالى الرسل ليعلّموا خلقه، و يعرّفوهم كيف يعبدون.
و لذلك قال تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النّحل: الآية ٤٣]، و قال عليه الصلاة و السلام: «اطلبوا العلم و لو بالصين»[١]، و قال صلى اللّه عليه و سلم: «لا ينبغي للجاهل المقام على جهله»[٢].
ثم إن الخواطر المذكورة؛ و هي الوسوسة؛ الناس فبها على قسمين:
قسم؛ و هم الخاصة من عباد اللّه؛ الخواطر عندهم جملة من غير تفصيل مباح و غيره مفسدة للعبادة، كما أن المعاصي عندهم كلها كبائر لا صغائر فيها.
و القسم الآخر؛ و هم العامة؛ فيهم تنويع: السالك و غير السالك، و التائب و غير التائب.
فأما السالك فيجب عليه التوجه بالجد في المجاهدة، على مقتضى طريق السالكين، ليرتقي من مقام إلى مقام، إلى أن يصل إلى مقام يفارقه فيه الشيطان،
[١] -رواه البيهقي فيالشعب، و الخطيب في الرحلة و غيرها، و ابن عبد البر في جامع بيان العلم و فضله، و الديلمي، كلهم عن أنس مرفوعا، وضعّفه السخاوي، بل نقل عن ابن حبان:« إنه باطل لا أصل له»( انظر المقاصد الحسنة: حديث ١٢٥، ص ٨٦- ٨٧)، و ذكره ابن الجوزي في« الموضوعات»( انظر ١/ ٢١٥- ٢١٦)، و ابن عراق في« تنزيه الشريعة المرفوعة»( انظر: ١/ ٢٥٨)، و نقل العراقي عن البيهقي قوله:« متنه مشهور، و أسانيده ضعيفة»( المغني: الباب الأول من كتاب العلم، ١/ ١٩).
[٢] -نقله الغزالي في« الإحياء» باللفظ الذي سيذكره ابن ميمون بعد حين، و هو:« لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله»، و علق عليه العراقي بقوله:« أخرجه الطبراني في الأوسط، و ابن مردويه في التفسير، و ابن السني، و أبو نعيم في رياضة المتعلمين من حديث جابر بسند ضعيف» المغني: الباب الأول من كتاب العلم، ١/ ١٩.