ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٦٥ - تقديم
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
تقديم
تصرّفت يد الدهر في مصنفات ابن ميمون إخفاء و تجديدا، لكن أبى المسك إلا أن تنمّ نفحاته، و أبت الشمس إلا أن تسطع مشعشعة في الأنحاء. فقد شاءت العناية الإلهية أن تخرج إلى النور مؤلفات تعتبر من أنفس مؤلفاته. فظهرت «رسالة الإخوان من أهل الفقه و حملة القرآن» و «رسالة الإخوان إلى سائر البلدان»، ثم كرّت عليها رسالة أخرى- و هي التي بين أيدينا الآن- موسومة ب «بيان فضل خيار الناس و الكشف عن مكر الوسواس»، و هي على صغر حجمها فإن محاسنها تزهو على كبار الدواوين، فقد قيّد فيها ابن ميمون مسائل في الوسوسة بالقدر الذي ينفع فيه التربية الروحية و الطريقة المحمدية، دون الإغراق في التحرير الفلسفي أو التفريع الفقهي اللذين رآهما من آفات عصره الذي انعدم فيه العمل أو كاد.
و الجدير بالتحرير أن هذا العالم كان في عصره لدى المشارقة و المغاربة أشهر من نار على علم، بيد أن الكثرة الغامرة في عصرنا لاحظّ لهم بمعرفته، أو أن حظّهم بها هزيل.
يعتبر ابن ميمون من ألمع العلماء و أساطين التصوف الذين جمعوا بين علوم الشريعة و فضائل الطريقة، و اشرأبّوا في تربيتهم الروحية إلى العبّ من ينابيع الحقيقة.
لقد دأب جهده طيلة سيره التعليمي و التربوي في مزج الفقه بالتصوف، و تخليصهما من الشوائب ليرتقيا من مرتبة التفقّه و التفقّر إلى معارج الكمال.
و لا جرم أن مسعاه ما خاب و لا كان شقيّا، بل تخرّج من مدرسته الصوفية علماء عاملون كانوا شامة في خدّ الدهر و غرّة في جبينه، شهدت بذلك كتبهم التي خلّفوها، و لم تمار فيه أسفار المناقب و دواوين التراجم، نذكر منهم؛ على سبيل المثال لا الحصر؛ الشيخ علوان، و محمد بن عراق الدمشقي.