ترتيب السّلوك و يليه رسالة في أدب العلم - ابن عطاء اللّه السّكندري - الصفحة ٧٩ - المطلب الثالث تأثر ابن ميمون بالغزالي
و لطائفها، تفصيلا و تأصيلا، بما تتحير به ألباب العوام، و تنخفض أبصار عقولهم دون مباديه و أقاصيه، إذ كان مخاطبه علماء الكلام و الفلاسفة. و من هذه المفاهيم الإلهام و الوسوسة. فكان من ابن ميمون أن سهّل صعبه، و قرّب بعيده، فخاطب بها العوام، و أبرز فوائدها العلمية و العملية، حيث إن كل ما يراد و يعلم لغير العمل فدون حصوله يكون ضائعا[١].
- الجهة الثالثة: إعادة الاعتبار إلى فكر الغزالي و إحيائه بعد أن اندرس أو كاد في المشرق[٢].
و الجدير بالتحرير أن ابن ميمون، و إن كان متأثرا بالغزالي، مستوعبا لأفكاره، مكررا لها أحيانا[٣]، فإنه لم يكن مجرّد ناقل، بل ممحّصا ناقدا أيضا، إذ خالف الغزالي في أمور، منها أن الغزالي نسب إلى الحنبلية القول بالتجسيم[٤]، بيد أن ابن ميمون نزّه أحمد بن حنبل عن هذه النسبة، كما هو مقرّر في «رسالة الإخوان من أهل الفقه و حملة القرآن». و الغزالي يجعل الاسم غير التسمية و غير المسمى في بيان معاني أسماء اللّه الحسنى[٥]، بيد أن ابن ميمون يجعل في «رسالة الإخوان إلى سائر البلدان» الاسم هو عين المسمى.
[١] -مما يؤكد نبذ ابن ميمون للإغراق الفلسفي و الكلامي في المفاهيم الغيبية و العرفانية قوله:
« فالمتكلم في علم التوحيد بمجرد نقل قول المتكلمين في ذلك لا يراه أهل التوحيد القلبي موحدا» الرسالة الميمونية: صفحة ١٢٦.
[٢] -أما في المغرب فقد انتشر فكر الغزالي و اتسع منذ قيام الدولة الموحدية إلى ما بعدها( انظر بحث محمد المنوني« إحياء علوم الدين في منظور الغرب الإسلامي أيام المرابطين و الموحدين» ضمن ندوة« أبو حامد الغزالي: دراسات في فكره و عصره و تأثيره»، منشورات كلية الآداب بالرباط، ص ١٢٥- ١٣٧)، و إن كان قد تخلل ذلك بعض الأصوات المنتقدة لفكر الغزالي مثل عبد الحق البادسي الذي انتقد كتابه« النفخ و التسوية»( انظر المقصد الشريف و المنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف: ٣٢).
[٣] -نلاحظ أحيانا حضور الحكم العطائية في كلام ابن ميمون، مثال ذلك قول ابن عطاء:« الرجاء ما قارنه عمل، و إلا فهو أمنية»( الحكم العطائية: ١٢٠)، و العبارة نفسها مذكورة في« بيان غربة الإسلام»( انظر صفحة ١٤٦)، و قول ابن عطاء:« أصل كل معصية و غفلة و شهوة الرضا عن النفس»( الحكم العطائية: ١١٠، و هذه هي الفكرة المحورية التي تدور عليها أفكار ابن ميمون المبثوثة في كتبه.
[٤] -انظر الأجوبة الغزالية في المسائل الأخروية: ١٢١، و فيصل التفرقة: ٨٥ و ٩٩.
[٥] -انظر المقصد الأسنى: ٦- ٢٠، و أيضا الاقتصاد في الاعتقاد: ١٠٠- ١٠١.